على الإيقاع به، وأمر عليًّا أن ينام على فراشه، وخرج هو وأبو بكر إلى الغار، فلم يزالوا يرصدونه حتى برق الفجر، فخرج إليهم عليّ، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري.
ثم ذهبوا يطلبونه في كل وجهة، وجعلوا الجعالات (١) الكثيرة لمن يأتي به، وكان الجبل الذي فيه الغار قد امتلأ من الخلق يطلبون رسول الله ﷺ، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى قدَمَيْه لأبصرنا. فقال:«يا أبا بكر، ما ظَنُّك باثنين الله ثالثهما؟»(٢)، وأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].
فهاجَرَ إلى المدينة، واستقرَّ بها، وأُذِن له في القتال بعدما كان قبل الهجرة ممنوعًا لحكمة مشاهدة، فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، وجعل يُرْسِل السرايا.
ولما كانت السنة الثانية فرض الله على العباد الزكاة والصيام، فآيات الصيام والزكاة إنما نزلت في هذا العام، وكان وَقْت فرضها، وأما قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] فإن المراد زكاة القلب وطهارته بالتوحيد وتَرْك الشرك.
وفي السنة الثانية أيضًا كانت وقعة بدر، وسببها أن عِيرًا لقريش تحمل تجارة عظيمة من الشام، خرج النبي ﷺ بمن خَفَّ من أصحابه لطلبها،
(١) هي الأجر على الشيء. (٢) أخرجه البخاري (٣٦٥٣)، ومسلم (٢٣٨١).