في الدنيا والآخرة، وهكذا إذا أراد الله أمرًا من الأمور العظام قدَّم بين يديه مقدّمة، توطئة له، وتسهيلًا لأمره، واستعدادًا لما يَرِد على العبد من المشاقّ، لطفًا بعبده، وإحسانًا إليه، فأوَّلها يعقوب بأن الشمس: أمه، والقمر: أبوه، والكواكب: إخوته، وأنه ستنتقل به الأحوال إلى أن يصير إلى حال يخضعون له، ويسجدون له إكرامًا وإعظامًا، وأن ذلك لا يكون إلا بأسباب تتقدّمه من اجتباء الله له، واصطفائه له، وإتمام نعمته عليه بالعلم والعمل، والتمكين في الأرض، وأن هذه النعمة ستشمل آل يعقوب الذين سجدوا له، وصاروا تَبَعًا له فيها، ولهذا قال: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾، أي: يصطفيك ويختارك بما يمنُّ به عليك من الأوصاف الجليلة والمناقب الجميلة، ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، أي: من تعبير الرؤيا، وبيان ما تؤول إليه الأحاديث الصادقة، كالكتب السماوية ونحوها، ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ في الدنيا والآخرة، بأن يُؤتيك في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾، حيث أنعم الله عليهما بنِعَم عظيمة واسعة دينية ودنيوية، ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عِلْمُه محيط بالأشياء، وبما احتوت عليه ضمائر العباد من البر وغيره، فيعطي كلًّا ما تقتضيه حكمته وحمده؛ فإنه حكيمٌ يضع الأشياء مواضعها، ويُنزلها منازلها.
ولما بانَ تعبيرها ليوسف قال له أبوه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾، أي: حسدًا من عند أنفسهم؛ بأن تكون أنت الرئيس الشريف عليهم، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ لا يفْتُر عنه ليلًا ولا نهارًا، ولا سِرًّا ولا جهارًا؛ فالبُعد عن الأسباب التي يتسلّط بها على العبد أولى، فامتثل يوسف أمرَ أبيه، ولم يُخبِر إخوته بذلك، بل كتمها عنهم.