للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ﴾ أي: عِبَر وأدلة على كثير من المطالب الحسنة، ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ أي: لكل مَنْ سأل عنها بلسان الحال أو بلسان المقال؛ فإن السائلين هم الذين ينتفعون بالآيات والعِبَر، وأما المعرضون فلا ينتفعون بالآيات ولا بالقصص والبينات، ﴿إِذْ قَالُوا﴾ فيما بينهم: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ بنيامين؛ أي: شقيقه، وإلا فكلُّهم إخوة، ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة، فكيف يفضلهما علينا بالمحبة والشفقة؟ ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: لفي خطأ بَيِّن، حيث فضلَّهما علينا من غير مُوجِب نراه، ولا أمر نشاهده.

﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ أي: غَيِّبوه عن أبيه في أرض بعيدة لا يتمكن من رؤيته فيها؛ فإنكم إذا فعلتم أحد هذين الأمرين ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ أي: يتفرَّغ لكم، ويُقْبل عليكم بالشفقة والمحبة؛ فإنه قد اشتغل قلبه بيوسف شغلًا لا يتفرَّغ لكم، ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾، أي: من بعد هذا الصنيع ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ أي: تتوبون إلى الله، وتستغفرونه من بعد ذنبكم، فقدَّموا العزم على التوبة قبل صدور الذنب منهم؛ تسهيلا لفعله، وإزالة لشناعته، وتنشيطًا من بعضهم لبعض.

﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ١٠].

أي: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾: من إخوة يوسف الذين أرادوا قتله أو تبعيده: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾، فإِنَّ قَتْلَه أعظمُ إثمًا وأشنعُ، والمقصود يحصل بتبعيده عن أبيه من غير قتل، ولكن توصلوا إلى تبعيده بأن تُلْقوه ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾، وتتوعَّدوه على أنه لا يخبر بشأنكم، بل على أنه عبد مملوك آبق منكم، لأجل أن ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ الذين يريدون مكانا بعيدًا، فيحتفظون به، وهذا القائل أحسنهم رأيا في يوسف، وأبرُّهم وأتقاهم في هذه القضية؛ فإن بعض الشرِّ أهونُ من بعض، والضرر الخفيف يُدفَع به الضرر الثقيل، فلما اتفقوا على هذا الرأي:

<<  <   >  >>