للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٦ - ١٨].

﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ أي: لما ذهب إخوة يوسف بيوسف بعدما أذن له أبوه، وعزموا على أن يجعلوه في غيابة الجب (١)، كما قال قائلهم السابق ذكره، وكانوا قادرين على ما أجمعوا عليه، فنفذُوا فيه قدرتهم، وألقوه في الجب، ثم إن الله لطف به بأن أوحى إليه وهو في تلك الحال الحَرِجة: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: سيكون منك معاتبة لهم، وإخبارٌ عن أمرهم هذا، وهم لا يشعرون بذلك الأمر. ففيه بشارة له بأنه سينجو مما وقع فيه، وأن الله سيجمعه بأهله وإخوته على وجه العزِّ والتمكين له في الأرض، ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ ليكون إتيانهم متأخّرًا عن عادتهم، وبكاؤهم دليلًا لهم، وقرينة على صدقهم، فقالوا متعذّرين بعذر كاذب: ﴿يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ إما على الأقدام، أو بالرمي والنضال، ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ توفيرًا له وراحة، ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ في حال غيبتنا عنه واستباقنا، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أي: تعذرنا بهذا العذر، والظاهر أنك لا تصدقنا؛ لما في قلبك من الحزن على يوسف والرقة الشديدة عليه، ولكن عدم تصديقك إيَّانا لا يمنعنا أن نعتذر بالعذر الحقيقي، وكلُّ هذا تأكيد لعذرهم، ومما أكدوا به قولهم ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ زعموا أنَّه دم يوسف حين أكله الذئب، فلم يصدّقهم أبوهم بذلك، و ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي: زيَّنت لكم أنفسكم أمرًا قبيحًا في التفريق بيني وبينه؛ لأنه رأى من القرائن والأحوال ومن رؤيا يوسف التي قصَّها عليه ما دلَّه على ما قال. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي:


(١) الغيابة: كل ما غُيِّب عنك، والجبُّ: البئر.

<<  <   >  >>