أمَّا أنا فوظيفتي سأحرص على القيام بها، وهي أني أصبر على هذه المحنة صبرًا جميلًا سالمًا من السخط والتشكّي إلى الخَلْق، وأستعين الله على ذلك، لا على حولي وقوتي، فوعد من نفسه هذا الأمر، وشكا إلى خالقه في قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾؛ لأنَّ الشكوى إلى الخالق لا تنافي الصبر الجميل؛ لأنَّ النبيَّ إذا وعد وفى.
أي: مكث يوسف في الجُبِّ ما مكث، حتى جاءت ﴿سَيَّارَةٌ﴾ أي: قافلة تريد مصر، ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ أي: فَرَطهم ومُقدَّمهم الذي يَعُسُّ لهم المياه، ويَسْبِرها، ويستعد لهم بتهيئة الحياض، ونحو ذلك، ﴿فَأَدْلَى﴾ ذلك الوارد ﴿دَلْوَهُ﴾ فتعلق فيه يوسف ﵇ وخرج، ﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ أي: استبشر، وقال: هذا غلامٌ نفيسٌ، ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، وكان إخوته قريبًا منه، فاشتراه السيارةُ منهم، ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي: قليل جدًّا، فسرَّه بقوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾؛ لأنه لم يكن لهم قصدٌ إلا تغييبه وإبعاده عن أبيه، ولم يكن لهم قصدٌ في أخذ ثمنه، والمعنى في هذا: أنَّ السيارة لما وجدوه عزموا أن يُسرُّوا أمره، ويجعلوه من جملة بضائعهم التي معهم، حتى جاءهم إخوته فزعموا أنَّه عبدٌ أبق منهم، فاشتروه منهم بذلك الثمن، واستوثقوا منهم فيه لئلا يهرب، والله أعلم.