للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وشُوَيْدَاؤه، وهذا أعظم ما يكون من الحب. ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ حيث وُجدت منها هذه الحالة التي لا تنبغي منها، وهي حالة تحطّ قدرها وتضعه عند الناس، وكان هذا القول منهنَّ مَكْرًا، ليس المقصود به مجرد اللوم لها والقدح فيها، وإنَّما أردن أن يتوصلن بهذا الكلام إلى رؤية يوسف الذي فُتِنَتْ به امرأة العزيز لتَحْنَق امرأة العزيز وتريهنَّ إياه ليَعْذِرْنَها، ولهذا سماه مكرا، فقال: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ تدعوهنَّ إلى منزلها للضيافة، ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أي: محلًا مُهَيَّأ بأنواع الفرش والوسائد، وما يقصد بذلك من المآكل اللذيذة، وكان في جملة ما أتت به وأحضرته في تلك الضيافة طعام يحتاج إلى سكين، إما أُتْرُجٌ، أو غيره، ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِينًا﴾ ليقطعن فيها ذلك الطعام، ﴿وَقَالَتِ﴾ ليوسف: ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ في حالة جماله وبهائه.

﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي: أعْظَمْنَه في صدورهنَّ، ورأين منظرًا فائقًا لم يشاهدن مثله، ﴿وَقَطَّعْنَ﴾ من الدَّهش ﴿أَيْدِيَهُنَّ﴾ بتلك السكاكين اللاتي معهن، ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ أي: تنزيها لله، ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، وذلك أن يوسف أُعطي من الجمال الفائق والنور والبهاء ما كان به آيةً للناظرين، وعبرةً للمتأملين.

فلما تقرَّر عندهن جمال يوسف الظاهر، وأعجبهن غاية الإعجاب، وظهر منهن من العذر لامرأة العزيز شيء كثير؛ أرادت أن تُرِيَهُنَّ جماله الباطن بالعفة التامة، فقالت معلنة لذلك ومُبيِّنة لحبه الشديد غير مبالية، ولأن اللُّوم انقطع عنها من النسوة: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي: امتنع، وهي مقيمة على مراودته، لم يزدها مرور الأوقات إلا قلقًا ومحبةً وشوقًا لوصاله وتوقًا، ولهذا قالت له بحضرتهنَّ: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾؛ لتلجئه بهذا الوعيد إلى حصول مقصودها منه، فعند ذلك اعتصم يوسف بربه، واستعان به على كيدهنَّ، و ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، وهذا

<<  <   >  >>