يدلُّ على أن النسوة جعلن يُشِرن على يوسف في مطاوعة سيدته، وجعلن يكدنه في ذلك، فاستحبَّ السجن والعذاب الدنيويَّ على لذَّةٍ حاضرة توجب العذاب الشديد، ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أي: أمِل إليهنَّ؛ فإني ضعيفٌ عاجز إن لم تدفع عنِّي السوء، ﴿وَأَكُنْ﴾ إن صَبَؤتُ إليهن ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، فإن هذا جهلٌ؛ لأنه آثَرَ لذة قليلة منغّصة على لذات متتابعات وشهوات متنوعات في جنات النعيم، ومَن آثَرَ هذا على هذا فمَن أجهل منه؟! فإن العلم والعقل يدعو إلى تقديم أعظم المصلحتين وأعظم اللذَّتين، ويؤثر ما كان محمودَ العاقبة، ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ حين دعاه، ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ فلم تزل تراودُه وتستعين عليه بما تقدر عليه من الوسائل حتى أيَّسها، وصرف الله عنه كيدها، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعاء الداعي، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بنيّته الصالحة، وبنيّته الضعيفة المقتضية لإمداده بمعونته ولُطفه، فهذا ما نجَّى الله به يوسف من هذه الفتنة المُلِمَّة والمحنة الشديدة، وأما أسياده فإنَّه لما اشتهر الخبر وبَانَ، وصار الناس فيها بين عاذر ولائم وقادح، ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ أي: ظهر لهم ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ الدالة على براءته، ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ أي: لينقطع بذلك الخبر ويتناساه الناس؛ فإنَّ الشيء إذا شاع لم يزل يُذكر، ويُشاع مع وجود أسبابه، فإذا عُدمت أسبابه نُسي، فرأوا أنَّ هذا مصلحة لهم، فأدخلوه في السجن.