للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦ - ٤١].

أي: ولما دخل يوسف السجن كان في جملة من دخل ﴿مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ أي: شابان، فرأى كلُّ واحد منهما رؤيا، فقصَّها على يوسف ليعبرها، ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾، وذلك الخبز ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي: بتفسيره، وما يؤول إليه أمرهما، وقولهما: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من أهل الإحسان إلى الخلق، فأحسنا إلينا في تعبيرك لرؤيانا، كما أحسنت إلى غيرنا، فتوسَّلا ليوسف بإحسانه، فقال لهما مجيبًا لطلبهما: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ أي: فلتطمئن قلوبكما، فإني سأبادر إلى تعبير رؤياكما، فلا يأتيكما غداؤكما، أو عشاؤكما، أول ما يجيء إليكما، إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما، ولعل يوسف قصد أن يدعوهما إلى الإيمان في هذه الحال التي بَدَتْ حاجتهما إليه؛ ليكون أنجع لدعوته، وأقبل لهما، ثم قال: ﴿ذَلِكُمَا﴾ التعبير الذي سأعبره لكما ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ أي: هذا من علم الله علَّمنيه وأحسن إليَّ به، وذلك ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، والتَّرك كما يكون للداخل في شيء ثم ينتقل عنه يكون لمن لم يدخل فيه أصلًا، فلا يقال: إن يوسف كان من قبل على غير ملة إبراهيم، ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾، ثم فَسَّر تلك الملة بقوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا﴾ أي: ما ينبغي ولا يليق بنا ﴿أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، بل نُفْرد الله بالتوحيد، ونُخْلِص له الدين والعبادة، ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ أي: هذا من أفضل مِنَنِه وإحسانه وفضله علينا، وعلى من هداه الله كما هدانا؛

<<  <   >  >>