للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فإنه لا أفضل من منَّة الله على العباد بالإسلام والدين القويم؛ فَمَنْ قَبِله وانقاد له فهو حظُّه، وقد حصل له أكبر النِّعَم وأجلّ الفضائل، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾، فلذلك تأتيهم المنَّة والإحسان، فلا يقبلونها ولا يقومون لله بحقه، وفي هذا من الترغيب للطريق التي هو عليها ما لا يخفى، فإن الفتَيَيْنِ لما تقرَّر عنده أنهما رأياه بعين التعظيم والإجلال، وأنه محسنٌ معلمٌ؛ ذكر لهما أنَّ هذه الحالة التي أنا عليها كلها من فضل الله وإحسانه، حيث منَّ عليَّ بترك الشرك وباتّباع ملة آبائه، فبهذا وصلتُ إلى ما رأيتما، فينبغي لكما أن تسلُكا ما سلكتُ، ثم صرح لهما بالدعوة، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أي: أربابٌ عاجزة ضعيفة لا تنفع ولا تضر، ولا تعطي ولا تمنع، وهي متفرّقة ما بين أشجار وأحجار وملائكة وأموات، وغير ذلك من أنواع المعبودات التي يتخذها المشركون، أتلك ﴿خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ﴾ الذي له صفات الكمال، ﴿الْوَاحِدُ﴾ في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا شريك له في شيء من ذلك، ﴿الْقَهَّارُ﴾ الذي انقادت الأشياء لقهره وسلطانه؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾.

ومن المعلوم أن مَنْ هذا شأنه ووَصْفُه خيرٌ من الآلهة المتفرقة التي هي مجرّد أسماء، لا كمال لها ولا أفعال لديها، ولهذا قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ أي: كسوتموها أسماءً، وسميتموها آلهة، وهي لا شيء، ولا فيها من صفات الألوهية شيء، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ بل أنزل الله السلطان بالنهي عن عبادتها وبيان بطلانها، وإذا لم يُنْزِلِ الله بها سلطانًا لم يكن طريقٌ ولا وسيلةٌ ولا دليلٌ لها؛ لأن الحكم لله وحده، فهو الذي يأمر وينهى، ويشرِّع الشرائع، ويسنُّ الأحكام، وهو الذي أمركم، ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: المستقيم الموصل إلى كل خير، وما سواه من الأديان فإنها غير مستقيمة، بل معوجّة تُوصل إلى

<<  <   >  >>