كل شر، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ حقائق الأشياء، وإلا فإن الفرق بين عبادة الله وحده لا شريك له، وبين الشرك به، أظهر الأشياء وأبينها، ولكن لعدم العلم من أكثر الناس بذلك حصل منهم ما حصل من الشرك، فيوسف ﵇ دعا صاحبي السجن لعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، فيُحتمل أنهما استجابا وانقادا، فتمت عليهما النعمة، ويُحتمل أنهما لم يزالا على شركهما، فقامت عليهما بذلك الحجة، ثم إنه ﵇ شرع يعبر رؤياهما بعدما وعدهما ذلك، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾، وهو الذي رأى أنه يعصرُ خمرًا، فإنه يخرج من السجن، ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أي: يسقي سيده الذي كان يخدمه خمرًا، وذلك مستلزم لخروجه من السجن، ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ وهو: الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه، ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ فإنه عبّر عن الخبز الذي تأكله الطير بلحم رأسه وشحمه، وما فيه من المخ، وأنه لا يُقْبَر ويُسْتَر عن الطيور، بل يُصْلَب ويُجْعَل في محلّ تتمكن الطيور من أكله، ثم أخبرهما بأنّ هذا التأويل الذي تأوّله لهما أنه لا بدّ من وقوعه، فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ أي: تسألان عن تعبيره وتفسيره.
أي: ﴿وَقَالَ﴾ يوسف ﵇ ﴿لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾، وهو الذي رأى أنه يعصر خمرًا: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: اذكر له شأني وقصّتي، لعله يرقُّ لي، فيُخرجني مما أنا فيه، ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أي: فأنسى الشيطان ذلك الناجي ذِكرَ الله تعالى، وذِكْرَ ما يُقرِّب إليه، ومن جملة ذلك نسيانه ذِكْرَ يوسف الذي يستحقُّ أن يُجازى بأتم الإحسان، وذلك ليتمَّ الله أمره وقضاءه، ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾، والبضع من الثلاث إلى التسع، ولهذا قيل: إنه لبث سبع سنين، ولما أراد الله أن يتم أمره، ويأذن بإخراج