للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

تأويلٌ، وهذا جَزْمٌ منهم بما لا يعلمون، وتعدُّرٌ منهم بما ليس بعُذْر، ثم قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ أي: لا نعبر إلا الرؤيا، وأما الأحلام التي هي من الشيطان، أو من حديث النفس، فإنا لا نعبرها. فجمعوا بين الجهل والجزم بأنها أضغات (١) أحلام، والإعجاب بالنفس، بحيث إنهم لم يقولوا: لا نعلم تأويلها! وهذا من الأمور التي لا تنبغي لأهل الدين والحِجَى (٢)، وهذا أيضًا من لُطْف الله بيوسف . فإنه لو عبرها ابتداءً قبل أن يعرضها على الملأ من قومه وعلمائهم فيعجزوا عنها؛ لم يكن لها ذلك الموقع، ولكن لما عرضها عليهم فعجزوا عن الجواب، وكان الملك مهتمًّا لها غايةً، فعبَّرها يوسف؛ وقعت عندهم موقعًا عظيمًا.

وهذا نظيرُ إظهار الله فضْلَ آدم على الملائكة بالعلم، بعد أن سألهم فلم يعلموا، ثم سأل آدم، فعلَّمهم أسماء كل شيء، فحصل بذلك زيادة فضله، وكما يُظهر فضل أفضل خَلْقِه محمد في القيامة أن يُلهم الله الخَلْق أن يتشفَّعوا بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى ، فيعتذرون عنها، ثم يأتون محمدًا فيقول: «أنا لها، أنا لها»، فيشفع في جميع الخلق (٣)، وينال ذلك المقام المحمود الذي يَغْبِطه به الأولون والآخرون، فسبحان من خَفِيَت ألطافه، ودقَّت في إيصاله البِرَّ والإحسان إلى خواصّ أصفيائه وأوليائه.

﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ أي: من الفتيَيْنِ، وهو: الذي رأى أنه يعصرُ خمرًا، وهو الذي أوصاه يوسف أن يذكره عند ربه، ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: وتذكَّر يوسف، وما جرى له في تعبيره لرؤياهما، وما وصَّاه به، وعَلِم أنه كفيلٌ بتعبير


(١) أي: أخلاط.
(٢) أي: العقول.
(٣) أخرجه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣).

<<  <   >  >>