للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ * قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ * وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٥٨ - ٦٨].

أي: لما تولى يوسف خزائن الأرض دبَّرها أحسن تدبير، فزرع في أرض مصر جميعها في السنين الخصبة زروعًا هائلة، واتَّخذ لها المحلَّات الكبار، وجبى من الأطعمة شيئًا كثيرًا وحفظه، وضبطه ضبطًا تامًا، فلما دخلت السنون المجدبة، وسرى الجدب حتى وصل إلى فلسطين التي يقيم فيها يعقوب وبنوه، فأرسل يعقوب بنيه لأجل الميرة (١) إلى مصر، ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي: لم يعرفوه، ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾، أي: كَالَ لهم كما كان يَكيل لغيرهم، وكان من تدبيره الحسن أنه لا يَكيل لكل واحد أكثر من حمل بعير، وكان قد سألهم عن حالهم، فأخبروه أن لهم أخًا عند أبيهم، وهو بنيامين، فقال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾، ثم رغَّبهم في الإتيان به، فقال: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ في الضيافة والإكرام، ثم رهَّبهم بعدم الإتيان به، فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾، وذلك لعلمه باضطرارهم إلى الإتيان إليه، وأنَّ ذلك يحملهم على الإتيان به، فقالوا: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾، دلَّ هذا على أن يعقوب كان مولَعًا به لا يصبر عنه، وكان يتسلَّى به بعد يوسف، فلذلك


(١) الميرة. يقال: مارَ أهله ويَميرُهم مَيْرًا، وهو مائِرٌ أهله؛ إذا حمل إليهم أقواتهم من غير بلده.

<<  <   >  >>