للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

احتاج إلى مراودةٍ في بعثِهِ معهم، ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ لما أمرتنا به، ﴿وَقَالَ﴾ يوسف ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ الذين في خدمته: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ أي: الثمن الذي اشتروا به من الميرة، ﴿فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ أي: بضاعتهم إذا رأوها بعد ذلك في رحالهم؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لأجل التحرج من أخذها على ما قيل، والظاهر أنه أراد أن يرغبهم في إحسانه إليهم بالكيل لهم كيلًا وافيًا، ثم إعادة بضاعتهم إليهم على وجه لا يُحِسُّون بها، ولا يشعرون لما يأتي؛ فإنَّ الإحسان يوجب للإنسان تمام الوفاء للمُحسن، ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ أي: إن لم تُرْسِلْ معنا أخانا ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ أي: ليكون ذلك سببًا لكيلنا، ثم التزموا له بحفظه، فقالوا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ من أن يعرض له ما يكره، ﴿قَالَ﴾ لهم يعقوب : ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قد تقدَّم منكم التزام، أكثر من هذا في حفظ يوسف، ومع هذا لم تَّفُوا بما عقدتم من التأكيد، فلا أثق بالتزامكم وحفظكم، وإنما أثق بالله تعالى، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي: يعلم حالي، وأرجو أن يرحمني، فيحفظه ويردُّه عليَّ، وكأنَّه في هذا الكلام قد لان لإرساله معهم. ثم إنهم لما ﴿فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ هذا دليلٌ على أنه قد كان معلومًا عندهم أن يوسف قد ردَّها عليهم بالقصد، وأنه أراد أن يملكهم إياها، فقالوا لأبيهم ترغيبًا في إرسال أخيهم معهم: ﴿يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ أي: أيُّ شيء نطلب بعد هذا الإكرام الجميل، حيث وفَّى لنا الكيل، وردَّ علينا بضاعتنا على هذا الوجه الحسن، المتضمن للإخلاص ومكارم الأخلاق؟! ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: إذا ذهبنا بأخينا صار سببًا لكيله لنا، فَمِرنا أهلنا، وأتينا لهم بما هم مضطرون إليه من القوت، ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ بإرساله معنا؛ فإنه يكيل لكل واحد حِمْل بعير، ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي: سهل لا ينالك ضررٌ؛ لأن المدة لا تطول، والمصلحة قد

<<  <   >  >>