تبينت. فقال لهم يعقوب: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: عهدًا ثقيلًا وتحلفون بالله ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي: إلا أن يأتيكم أمرٌ لا قِبَل لكم به، ولا تقدرون دفعه، ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ على ما قال وأراد؛ ﴿قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ أي: تكفينا شهادته علينا وحفظه وكفالته.
ثم لما أرسله معهم وصّاهم إذا هم قدموا مصر أن لا يدخلوا ﴿مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾، وذلك أنه خاف عليهم العين؛ لكثرتهم وبهاء مَنْظَرهم؛ لكونهم أبناء رجل واحد، وهذا سبب، وإلا فما ﴿أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ فالمقدّر لا بدَّ أن يكون، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: القضاء قضاؤه، والأمر أمره، فما قضاه وحكم به لا بدَّ أن يقع، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدت على الله، لا على ما وصّيتكم به من السبب، ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ فإن بالتوكّل يحصل كل مطلوب، ويندفع كل مرهوب، ﴿وَلَمَّا﴾ ذهبوا و ﴿دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ﴾ ذلك الفعل ﴿يُغْنِي عَنْهُم مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾، وهو موجب الشفقة والمحبة للأولاد، فحصل له في ذلك نوع طمأنينة، وقضاء لما في خاطره، وليس هذا قصورًا في علمه، فإنه من الرسل الكرام والعلماء الربانيين، ولهذا قال عنه: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ أي: لَصاحب علم عظيم، ﴿لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أي: لتعليمنا إيّاه، لا بحوله وقوّته أدْرَكه، بل بفضل الله وتعليمه، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ عواقب الأمور ودقائق الأشياء، وكذلك أهل العلم منهم يخفى عليهم من العلم وأحكامه ولوازمه شيء كثير.