فإنَّ هذا من الإحسان، والله لا يُضيعُ أجر مَنْ أحسن عملًا، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، أي: فضلك علينا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشّيم، وأسأنا إليك غاية الإساءة، وحرصنا على إيصال الأذى إليك، والتبعيد لك عن أبيك، فآثرك الله تعالى ومكّنك مما تريد، ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾، وهذا غاية الاعتراف منهم بالجُرم الحاصل منهم على يوسف، فقال لهم يوسف ﵇ كرمًا وجودًا: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، أي: لا أُثَرِّبُ عليكم ولا ألومكم، ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فسمح لهم سماحًا تامًا من غير تعيير لهم على ذِكْر الذَّنب السابق، ودعا لهم بالمغفرة والرحمة، وهذا نهاية الإحسان الذي لا يتأتّى إلا من خواصّ الخلق وخيار المصطفَيْن.
أي: قال يوسف ﵇ لإخوته: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾؛ لأنَّ كلَّ داءٍ يداوَى بضده؛ فهذا القميصُ - لمَّا كان فيه أثر ريح يوسف الذي أودع قلب أبيه من الحزن والشوق ما الله به عليم - أراد أن يَشُمَّه فترجع إليه روحه، وتتراجع إليه نفسه، ويرجع إليه بصره، والله في ذلك حِكَمٌ وأسرارٌ لا يطّلع عليها العباد، وقد اطّلع يوسف من ذلك على هذا الأمر، ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: أولادكم وعشيرتكم وتوابعكم كلهم؛ ليحصل تمام اللقاء، ويزول عنكم نكد المعيشة، وضنك الرزق. ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ عن أرض مصر مقبلةً إلى أرض فلسطين شمَّ يعقوبُ ريح القميص،