للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾، أي: تسخرون منِّي، وتزعمون أنَّ هذا الكلام صدر منِّي من غير شعور؛ لأنَّه رأى منهم من التعجب من حاله ما أوجب له هذا القول، فوقع ما ظنَّه بهم، فقالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾، أي: لا تزال تائها في بحرٍ لُجِّيٍّ، لا تدري ما تقول، ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ بقرب الاجتماع بيوسف وإخوته وأبيهم، ﴿أَلْقَاهُ﴾، أي: القميص ﴿عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾، أي: رجع على حاله الأولى بصيرا، بعد أن ابيضَّت عيناه من الحزن، فقال لمن حضره من أولاده وأهله الذين كانوا يفنّدون رأيه، ويتعجَّبون منه منتصرًا عليهم، مُتبجّحًا بنعمة الله عليه: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، حيث كنتُ مترجيًّا للقاء يوسف، مترقِّبًا لزوال الهمِّ والغمِّ والحزن، فأقرُّوا بذنبهم، ونجعوا بذلك، و ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾، حيث فعلنا معك ما فعلنا. فقال مجيبًا لطلبتهم، ومسرعًا لإجابتهم: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، أي: ورجائي به أن يغفر لكم ويرحمكم، ويتغمدكم برحمته، وقد قيل: إنه أخَّر الاستغفار لهم إلى وقت السَّحَر الفاضل؛ ليكون أتمَّ للاستغفار، وأقرب للإجابة.

﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩٩ - ١٠١].

﴿فَلَمَّا﴾ تجهَّز يعقوب وأولاده وأهلهم أجمعون، وارتحلوا من بلادهم قاصدين الوصول إلى يوسف في مصر وسُكْناها، فلما وصلوا إليه، و ﴿دَخَلُوا

<<  <   >  >>