للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

والاجتباء من الله، وحصول الأخلاق الجميلة والمقامات الجليلة، فيُبَشِّره بحصول هذه الأمور، ثم بالوصول إلى الرفعة في الدنيا والآخرة.

فإنَّ رؤيا يوسف التي رأى أن الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا له ساجدين وجه المناسبة فيها: أنَّ هذه الأنوار هي زينة السماء وجمالها، وبها منافعها، فكذلك الأنبياء والعلماء زينة للأرض وجمال، وبهم يُهْتَدَى في الظُّلمات كما يُهْتَدَى بهذه الأنوار، ولأنَّ الأصل أبوه وأمه، وإخوته هم الفرع؛ فمن المناسب أن يكون الأصلُ أعظمَ نورًا وجِرْمًا لما هو فرعٌ عنه، فلذلك كانت الشمس أمه، والقمر أباه، والكواكب إخوته.

ومن المناسبة أنَّ الشمس لفظٌ مؤنثٌ، فلذلك كانت أمه، والقمر والكواكب مذكَّرات؛ فكانت لأبيه وإخوته.

ومن المناسبة أنَّ الساجد معظمُ مُحترم للمسجود له، والمسجودُ له معظم مُحترم؛ فلذلك دلَّ ذلك على أن يوسف يكون معظَّمًا محترمًا عند أبويه وإخوته، ومن لازم ذلك أن يكون مجتبًى مُفَضَّلًا في العلم والفضائل الموجبة لذلك، ولذلك قال له أبوه: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾.

وفي ضمن هذا التعبير من يعقوب ليوسف بشارةٌ له، وتسهيل لما سيناله من المشقات والكروب مع إخوته وفي السجن، فإن مَنْ عَلِمَ أن المكاره والمشقَّات تُفْضِي إلى الخير والراحات تَسلَّى، وهانت عليه مشقَّتُها، وسهلت عليه وطأتها، وحصل بذلك من اللطف والرَّوْح شيء عظيم، وهذا من جملة اللطف الذي أشار إليه يوسف في قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وهذا من مقتضى حكمة الله أن المراتب العاليات لا تُنال إلا بالوسائل الجليلة، ولهذا قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٦].

ومن فوائد هذا التعبير لرؤيا يوسف بشارة عظيمة ليعقوب وأم يوسف وإخوته بحصول الرفعة والصلاح والخير؛ فيعقوب من أكابر الأنبياء

<<  <   >  >>