وأفاضل الأصفياء، وأمَّله لها من الخير والصلاح والرفعة في الدنيا والآخرة، حيث شُبّهت بالشمس أو بالقمر؛ على اختلاف القولين، وإخوة يوسف وإن كان قد جرى منهم في حق أبيهم وأخيهم من الأذية والعقوق والقطيعة ما جرى، ولكنَّ أباهم وأخاهم عَفَوْا عنهم، واستغفروا الله تعالى أرحم الراحمين، فالشمس والقمر والنجوم تضمَّنت النور والارتفاع، ولكنها متفاوتة في نورها بحسب التفاوت بين الأبَوَيْنِ وبين الإخوة.
فالحاصل أن هذه الرؤيا تضمَّنت ما حصل ليوسف ﵇ من خير الدنيا والآخرة، والمقامات العظيمة، والوسائل والمِنَن التي أوردتها هذه الأمور، وما حصل لأبَوَيْه وإخوته من مشاركته في خير الدنيا والآخرة، والله تعالى أعلم. وأما رؤيا الفَتَيَيْنِ حيث: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦]، فتلطَّفوا ليوسف أن ينبئهما بتأويل رؤياهما لما شاهدا من إحسانه للأشياء، وإحسانه إلى الخلق، ففسَّر رؤيا مَنْ رأى أنه يعصر خمرًا أنه ينجو من سجنه، ويعود إلى مرتبته وخدمته لسيده، فيعصر له العنب الذي يُؤَوَّل إلى الخمر، وفسَّر رؤيا الآخر بأنه يُقتل ثم يُصْلَب، فتأكل الطير من رأسه.
فالأول: رؤياه جاءت على وجه الحقيقة، والآخر رؤياه جاءت على وجه المثال، وأنه يُقْتَل، ومع قتله يُصْلَب ولا يُدْفَن حتى تأكل الطيور من رأسه، وهذا من الفهم العجيب، والغوص إلى المعاني الدقيقة.
وذلك أن العادة أن المقتول يُدْفَن في الحال، ولا تتمكَّن السباع والطيور من الأكل منه، ففهم أن هذا سيُقْتَل ولا يُدْفَن سريعًا حتى يصل إلى هذه الحال، وفي هذا من فضيحته وخزيه وسوء مصيره الدنيوي ما تَقْشَعِرُّ منه الجلود، وحيث علم أن هذه الرؤيا صحيحة لا بد من وقوعها، قال لهما: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١]، وهذا من كمال علمه للتعبير الذي