لا يُعبّر عن ظنّ وتَوهُّم، وإنما يعبّر عن علم ويقين، وأما المناسبة في ذلك أن الطيور لا تقرب الحي، وإنما تتناول الميت إذا لم يكن عنده أحد، وهذا إنما يكون بعد قتله وصلبه.
ومن المناسبة في رؤيا الفتيين: أنّه أوّل رؤيا الذي رأى أنَّه يعصرُ خمرًا؛ أنَّ الذي يعصر الخمر في العادة يكون خادمًا لغيره، والعصرُ يُقْصَد لغيره؛ فلذلك أوّله بما يؤول إليه؛ أنَّه يسقي ربَّه، وذلك متضمّن لخروجه من السجن.
وأوّل الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه بأنَّ جلدة رأسه ولحمه، وما في ذلك من المخّ، أنه هو الذي يحمله، وأنه سيبرز للطيور، بمحلّ تتمكَّن من الأكل من رأسه، فرأى من حاله أنَّه سيُقتَل، ويُصلَب بعد موته، فيُبْرَز للطيور فتأكل من رأسه، وذلك لا يكون إلا بالصلب بعد القتل. وأما رؤيا الملك، فإنه رأى سبع بقراتٍ سمان يأكلهن سبع بقراتٍ عجاف، وسبع سنبلات خضر يأكلهن ويستولي عليهن سبع سنبلات يابسات ضعيفات، فهالته، وجَمَعَ لها كل من يظن فيه المعرفة، فلم يكن عند أحد منهم علم بتعبيرها، وقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤].
وبعد هذا تفطّن الذي خرج من السجن لحالة يوسف، وما هو عليه من العلم العظيم والعلم بالتعبير، وتفطّن لوصيته التي أنساه الشيطان ذِكْر ربه لحكمة قد فصح أمرها، وأنه لا يخرج من السجن إلا بعد اشتهاره، وتميزه العظيم على الناس كلهم بتعبير رؤيا الملك، فطلب هذا الرجل من الملك أن يُرْسِله إلى يوسف، وأنه كفيل بمعرفة تفسيرها، فلما جاء يوسف قال له: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٦]، فإن الملك والناس معه أرسلوني إليك لتفسيرها لهم، وهم بانتظار ذلك متشوقين إليه غاية التشوق، ولهذا قال: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦] ما ألهم الملك وأزعجه ولاعه.