ففي الحال فسّرها يوسف ﵇، وزادهم مع التفسير حُسْن العمل بها وحُسْن التدبير، فأخبرهم أن البقر السّمَان والسنابل السبع الخضرات هي سنون رخاء وخصب متواليات، تتقدّم على السنين المجدبات، وأن البقر العجاف والسنابل اليابسات سنون جَدْب تليها، وأن بعد هذه السنين المجدبات عامًا فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون، وأنه ينبغي لهم في السنين المخصبات أن ينتهزوا الفرصة، ويُعدُّوا العدة للسنين الشديدات، فيزرعون زروعًا هائلة أزيد بكثير من المعتاد، ولهذا: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يوسف: ٤٧].
ومن المعلوم أن جميع السنين يزرع الناس، لكنه أراد منهم أن يزرعوا زروعًا كثيرة، ويبذلوا قواهم في كل ما يَقْدِرون عليه، وأنهم يحتاطون في الغلات إذا حصلت بالتحصين والاقتصاد، فقال: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف: ٤٧]، أي: احفظوا الحاصلات من الزرع حِفْظًا تَسْلَم به من الفساد والسوس بأن تبقى في سنابلها، ويقتصدون في هذه المدة مدة الرخاء فلا يُسْرِفوا في الإنفاق، بل يأكلون القليل ويحفظون الكثير.
وإن بعد هذه السنين المخصبات سيأتي سبع سنين مجدبات شديدات تشمل الديار المصرية وما حولها، وإنها تأكل ما قُدّم لها مما حُفظ في سنين الخصب إلا قليلًا مما تُحْصِنون، ووجه المناسبة أنه كما تقدّم أن الرؤيا تعبّر بحال رائيها والمناسبات المتعلقة بها؛ كالرائي لها الملك الذي تتعلق به أركان الرعية وأمورها، ولهذا كانت رؤياه ليست خاصة له، بل تشمل الناس والرعية.
ووجه المناسبة في تفسير البقرات والسنابل بالسنين ظاهر في البقر من وجهين:
أحدهما: أنها هي التي في الغالب يُحْرَث عليها الأرض، والحروث والزروع وتوابعها تبعٌ للسنين في خصبها وجدبها.