والوجه الثاني: البقر من المواشي التي سِمنها وعَجَفها تَبَعٌ للسنين أيضًا، فإذا أخصبت سمنت، وإذا أجدبت عَجِفت وهَزَلَتْ، وكذلك السنابل تزهو الزروع وتكمل وتنمو مع كثرة الماء والسنين المخصبات، وتضعف وتيبس مع السنين المجدبات، فكانت رؤياه في البقرة والسنابل من أوصاف السنين وآثارها، ومِن ذِكْر الوسائل والغايات، فالحرث للأراضي وسيلة، ونمو الزرع وحصول السمن في المواشي هو الغاية من ذلك والمقصود.
وأما قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]، أي: يحصل للناس فيه غيث مُغيث تُعيد الأراضي خصبها، ويزول عنها جدبها، وذلك مأخوذ من تقييد السنين المجدبات بالسبع، فدلَّ هذا القيد على أنه يلي هذه السبع ما يُزيل شدتها ويرفع جدبها، ومعلوم أن توالي سبع سنين مجدبات لا يُبقي في الأرض من آثار الخضر والنبات والزروع ونحوها لا قليلًا ولا كثيرًا، ولا يرفع هذا الجدب العظيم إلا غيث عظيم، وهذا ظاهر جدًّا، أخذه من رؤيا الملك.
ومن العجب أن جميع التفاسير التي وقفت عليها لم تذكر هذا المعنى مع وضوحه، بل قالوا: لعل يوسف ﵇ جاءه وحي خاص في هذا العام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون، والأمر لا يحتاج إلى ما ذكروه، بل هو والله الحمد ظاهر من مفهوم العدد، وأيضًا ظاهر من السياق، فإنه جعل هذا التعبير والتفسير توضيحًا لرؤيا الملك.
ثم اعلم أن رؤيا الملك وتعبير يوسف لها، وتدبيره ذلك التدبير العجيب من رحمة الله العظيمة على يوسف، وعلى الملك، وعلى الناس، فلولا هذه الرؤيا وهذا التعبير والتدبير لهجمت على الناس السنون المجدبات قبل أن يُعدُّوا لها عدتها، فيقع الضرر الكبير على الأقطار المصرية وعلى ما جاورها.