فصار ذلك رحمة بهم وبغيرهم من الخلق، ألا ترى كيف شمل الجدب البلاد المصرية، وشمل البلاد الشامية وفلسطين وغيرها، حتى احتاجوا إلى الاكتيال من مصر، واحتاج يوسف أن يُقدّر للجميع، ويوزّع عليهم توزيعًا عادلًا، فيه الرفق بالجميع والإبقاء عليهم، وكان هذا العلم العظيم من يوسف هو السبب الأعظم في خروجه من السجن، وتقريب الملك له من اختصاصه به، وتمكينه من ﴿الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦]، وهذا من إحسانه، والله لا يضيع أجر المحسنين، ومع هذا الفضل، وفضل الله أعظم من ذلك، يصيب برحمته من يشاء ممن يختاره، ويختصه ويجمع له خير الدنيا والآخرة.
ومنها: ما فيها من الأدلة على صحة نبوة محمد ﷺ، حيث قصّ على قومه هذه القصة الطويلة وهو لم يقرأ كتب الأولين، ولا دَارَسَ أحدًا يراه قومه بين أظهرهم صباحًا ومساءً، وهو أمّيٌّ لا يخطُّ ولا يقرأ، وهي موافقة لما في الكتب السابقة حيث قصَّها على الوجه المطابق، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾، كما ذكر الله هذا المعنى في قصة موسى وغيره من الأنبياء؛ لأن الغيوب نوعان: أمور سابقة قد اندرس علمها، نبّأه الله بها، وأمور مستقبلة قد نبّأه الله بها قبل أن تقع فوقعت، ولا تزال تقع شيئًا بعد شيء مطابقةً لما أخبر به ﷺ في كتاب الله وفي سنة رسوله، وكلها براهين على رسالته.
ومنها: أنه ينبغي البُعْد عن أسباب الشر، وكتمان ما تُخْشَى مضرّته، والحث على التحرز منه؛ لقول يعقوب ليوسف: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾، وما فيها من التأكيد عليهم في حفظه حين أرسله معهم، ثم عند إرسال أخيه بنيامين بعد ذلك أخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك، فالإنسان مأمور بالاحتراز، فإن نفع فذاك، وإلا لم يَلُم العبد نفسه.