للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الشرق والغرب.

فأما غالب المتأخرين، بل جملة الآخرين فإنهم في الشرق بلا نزاع ولا دفاع، وفيه من بذّ (١) الأوائل واستدرك ما فاتهم من الفضائل. وأما حكماء الهند، وهم قبل اليونان السابقون الأولون، والحفظة المحصلون، فما سمع أن أحدا منهم تزحزح عن مكانه، ولا رضي مثل (ص ١٠) ما رضوا به بدلا من أوطانه. وهذا فخر لا يدفع، ودليل لا يرفع، وعلى تقدير أن يسلم أن مدينة اليونان مفضلة بهم، وإن برحوا عنها، وأن لليونان الفضل الباهر، اتبعوا أم ابتدعوا، فمدينتهم لتوغلها في الشمال أشبه بأن تنسب إليه من الغرب، وهي حقيقة أقرب إلى المحيط بالشمال منها إلى المحيط بالمغرب، وذلك مؤيد فيما ذكرناه لكل مقال، قاطع لكل جدال، فهي شمالية لا مغربية، لا شرقية ولا غربية.

فأما أصحاب الموسيقا وإجادة الغناء، فلمن تقدّم من هؤلاء الحكماء في الموسيقا ما يؤخذ عنهم علمه اليقين، وأما توقيع الألحان، وترتيب الأنغام، فإذا طالعت جامع أبي الفرج الأصبهاني (٢)، هداك النفس الطيب، وعلمت إلى


(١) بذّ أي غلب. القاموس المحيط (بذّ) أي تفوق، وسبق ونحوه.
(٢) يريد بجامعه كتاب الأغاني المشهور، قال ابن خلكان: الأغاني لم يعمل في بابه مثله، جمعه في خمسين سنة، وحمله إلى سيف الدولة الحمداني فأعطاه ألف دينار، واعتذر إليه. انظر معجم الأدباء ١٣/ ٩٨. أقول: وللعلماء فيه أقوال بين قادح ومادح، ومما لا شك فيه أن فيه أخبار المغنين والقيان والملحنين ولطائف، وأخبار الندماء، والمولهين والعشاق، والمكاتبات بينهم شعرا ونثرا، ولا يخلو من الطامات والأخبار الوضيعة، والألفاظ الشنيعة، وشعر المجون، مما يهيج العواطف والغرائز، ويتنافى مع أحكام الإسلام وقيمه الرفيعة. انظر وفيات الأعيان ١٣/ ١٠٩ والوافي بالوفيات ٢١/ ٢١، وسيظهر هذا جليا في بعض تراجم من سيذكرهم في السطور الآتية، مع حرصي على الاختصار، وتجاوزي عن كثير مما لا يليق بهذا المقام.
وأبو الفرج هو علي بن الحسين بن محمد بن أحمد ينتهي نسبه إلى مروان الحمار الأموي أبو الفرج الأصبهاني الأموي الكاتب، كان من أئمة الأدب، عالما بأيام الناس والأنساب والسيرة، كان

<<  <  ج: ص:  >  >>