وثقّف الله أمرا بات يكلؤه … يمضي حساماه فيه السيف والقلم
بهمة في الثريا أثر أخمصها … وعزمة ليس من عاداتها السأم
على أنه من بيت نشأت منه علماء في سالف الدهور، ونشأت منه عظماء على المشاهير الشهور، فأحيا معالم بيته القديم إذ درس، وجنى من فننه الطريب ما غرس، وأصبح في فضله آية، إلا أنه آية الحرس، عرضت له الكدى (١) فزحزحها، وعارضته البحار فضحضحها (٢)، ثم كان أمة وحده، وفردا حتى نزل لحده، أخمل من القرناء كل عظيم، وأخمد من أهل الفناء كل قديم، ولم يكن منهم إلا من يجفل عنه أجفال الظليم (٣)، ويتضاءل لديه العديم.
ما كان بعض الناس إلا مثلما … بعض الحصا الياقوتة الحمراء
جاء في عصر مأهول بالعلماء مشحون بنجوم السماء، تموج في جانبيه بحور خضارم، وتطير بين خافقيه نسور قشاعم (٤)، وتشرق في أنديته (ص ٢٩٥) بدور دجنّة، وصدور أسنّة، وتثأر جنود زعبل (٥)، ويزأر أسود عيل (٦)، إلا أن
(١) الكدي: جمع كدية وهي الأرض الغليظة، والصفاة (الصخرة الملساء) العظيمة الشديدة، انظر القاموس المحيط (كدى). (٢) ضحضح السّراب: ترقرق، والمراد هنا جففها أو قللها، من الضحضاح وهو الماء اليسير، كالضّحضح أو إلى الكعبين، أو أنصاف السوق، أو ما لا غرق فيه. انظر القاموس المحيط مادة (ضحضح). (٣) جفله يجفله بمعنى قشره وجرفه، والجفل - بالكسر والفتح - جمع أجفال .. وجفل اللحم عن العظم نحاه وجفل البحر السمك ألقاه على الساحل وجفل الظليم حرّكته وطردته. القاموس المحيط (جفل). (٤) قشاعم: جمع قشعم: بوزن جعفر: وهو المسنّ من الرجال والنسور والضخم. القاموس المحيط. مادة (قشعم). (٥) الزعبل بوزن جعفر من لم ينجع فيه الغذاء فعظم بطنه ودقت عنقه، والأفعى والحرباء. انظر القاموس المحيط مادة (زعبل). (٦) عيل: من عال يعيل عيلا: افتقر. القاموس المحيط (عول).