الإسكندرية، وتارة إلى محبس القلعة بدمشق (١)، وفي جميعها يودع أخبية السجون، ويلدغ بزباني المنون، وهو على علم يسطر صحفه، ويدخر تحفه، وما بينه وبين الشيء إلا أن يصنفه، ويقرظ به، ولو سمع امرئ واحد ويشنفه، حتى تستهدي أطراف البلاد طرفه، وتستطلع ثنايا الأقاليم شرفه، إلى أن خطفته آخر مرة من سجنه عقاب المنايا، وجذبتها إلى مهواتها قرارة الرزايا، وكان قبل موته قد منع الدواة والقلم، وطبع على قلبه منه طابع الألم، فكان مبدأ مرضه ومنشأ عرضه حتى نزل قفار المقابر، وترك فقار المنابر، وحل ساحة تربه وما يحاذر، وأخذ راحة قلبه من اللائم والعاذر، فمات لا بل حيي، وعرف قدره لأن مثله ما ربي، وكان يوم دفنه يوما مشهودا، ضاقت به البلد وظواهرها، وتذكّرت به أوائل الرزايا وأواخرها، ولم يكن أعظم منها منذ مئين سنين جنازة رفعت على الرقاب، ووطئت في زحامها الأعقاب، وسار مرفوعا على الرءوس متبوعا بالنفوس (٢)،
(١) السلطان بيبرس الجاشنكير. انظر الدرر الكامنة ١/ ٨٨ وانتصر له سلار، وسجن ابن تيمية، وبقي في سجنه إلى أن شفع فيه مهنا أمير آل فضل. وانظر ص ٨٩ و ٩٠. (٢) انظر المرجع السابق ١/ ٩٥ - ٩٦ والبداية والنهاية ١/ ١٧١ - ١٧٦ حيث صلي عليه بعد الظهر في مسجد بني أمية بعد أن صلي عليه في قلعة دمشق، وكثر الناس في باب النصر والجابية، وتضاعف الخلق بسوق الخيل فوضعت الجنازة وتقدم للصلاة عليه أخوه زين الدين عبد الرحمن ونقل بعد الصلاة إلى مقبرة الصوفية فدفن جانب أخيه شرف الدين عبد الله رحمهما الله وكان دفنه قبل العصر بيسير، وذلك من كثرة من يأتي ويصلي عليه من أهل البساتين وأهل الغوطة، وأغلق الناس حوانيتهم، وما تخلف عن الجنازة إلا من هو عاجز عن الحضور، وحضر نحو خمسة عشر ألف امرأة غير اللواتي على الأسطحة. وكان مولده سنة (٦٦١ هـ) بحران وكانت وفاته في ذي القعدة من سنة (٧٢٨ هـ) انظر البداية والنهاية ١/ ١٦٧ و ١٧١ - ١٧٢، ترجم له ابن الزملكاني ترجمة طويلة وأثنى عليه ثناء عظيما وكتب تحت ذلك: ما ذا يقول الواصفون له … وصفاته جلت عن الحصر هو حجة لله باهرة … هو بيننا أعجوبة الدهر هو آية للخلق ظاهرة … أنوارها أربت على الفجر