للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كل ذلك: لا أعرفه، ثم انتدب له الثالث، ثم الرابع إلى تمام العشرة، حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة المائة، ولا يزيدهم البخاري على قوله: لا أعرفه؛ فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم، وقال: أما حديثك الأول، فهو كذا، وحديثك الثاني كذا، والثالث والرابع على الولاء، حتى أتى على تمام العشرة، فردّ كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورد متون الأحاديث إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل.

وقال سليم بن مجاهد: كنت عند محمد بن سلار البيكندي، فقال لي: لو جئت قبل لرأيت صبيًا يحفظ سبعين ألف حديث، قال: فخرجت في طلبه حتى لقيته، فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديث قال: نعم، وأكثر منه، ولا أجيئك بحديث من الصحابة أو التابعين إلا عرفت مولد أكثرهم، ووفاتهم، ومساكنهم، ولستُ أروي حديثًا من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولي في ذلك أصل أحفظه عن كتاب الله، وسنة رسوله .

وقال أبو سعيد بن منير: بعث الأمير خالد الذهلي - والي بخارى - إلى البخاري: أن احمل كتاب الجامع، والتاريخ، وغيرهما؛ لأسمع منك، فقال البخاري لرسوله: أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة فأحضرني إلى مسجدي أو في داري، فإن لم يعجبك هذا، فأنت سلطان، فامنعني من المجلس؛ ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة؛ لأني لا أكتم العلم لقول النبي : من سئل عن علم فكتمه، ألجم بلجام من نار.

قال: وكان سبب الوحشة بينهما هذا.

وقال ابن أبي حاتم: كان البخاري إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ أحيانًا، فكنت أراه يقوم في ليلة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة في كل ذلك يأخذ القداحة، فيوري نارًا بيده، ثم يُخرج أحاديث، فيعلم بها، ثم يضع رأسه، وكان يصلّي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة يوتر بواحدة، وكان لا يوقظني في كل ما يقوم، فقلت له: إنك تحمل على نفسك كل هذا ولا توقظني، قال: أنت شاب، فلا أحب أن أفسد عليك نومك، ورأيته استلقى على قفاه يومًا، ونحن بغربر في تصنيف كتاب التفسير، وكان أتعب نفسه في كثرة إخراج الحديث، فقلتُ له: يا أبا عبد الله سمعتك تقول يومًا: إني ما أتيت شيئًا بغير علم قط منذ عقلت.

قلتُ: وأي علم في هذا الاستلقاء؟، قال: أتعبنا أنفسنا في هذا اليوم، وهذا ثغر من الثغور خشيت أن يحدث حدث من أمر العدو، فأحببت أن أستريح وآخذ

<<  <  ج: ص:  >  >>