والعجب أنه كان في وقته حافظ المشرق، وأبو عمرو بن عبد البر حافظ المغرب، وماتا في عام واحد.
وذكر ابن النجار في تاريخه: أنَّ أبا بكر بن زهر كان قد أعد لنفسه قبرًا إلى جانب بشر الحافي، وكان يمضي إليه في كل أسبوع مرة، وينام فيه، ويقرأ فيه القرآن كله، فلما مات أبو بكر الخطيب، وكان قد أوصى أن يدفن إلى جانب قبر بشر الحافي، فجاء أصحاب الحديث إلى أبي بكر بن زهر، وسألوه أن يدفن الخطيب في القبر الذي كان قد أعده لنفسه، وأن يؤثره به، فامتنع من ذلك امتناعًا شديدًا، وقال: موضع قد أعددته لنفسي من مُدّة سنين يؤخذ مني؟ فلما رأوا ذلك جاؤوا إلى والد الشيخ أبي سعد، وذكروا له، فأحضر الشيخ أبا بكر بن زهر، وقال: أنا لا أقول لك أعطهم القبر، ولكن أقول: لو أن بشر الحافي في الأحياء، وأنت إلى جانبه، فجاء أبو بكر الخطيب يقعد دونك، كان يحسن بك أن تقعد أعلى منه؟ قال: لا، بل كنت أقوم، وأجلسه مكاني، قال: فهكذا ينبغي أن يكون الساعة، قال: فطاب الشيخ، وأذن لهم في دفنه، فدفنوه إلى جانبه بباب حرب، وكان قد تصدّق بجميع ماله، وهو مائتا دينار فرقها على أرباب الحديث والفقهاء والفقراء في مرضه، وأوصى أن يتصدق بجميع ما عليه من الثياب، ووقف جميع كتبه على المسلمين، ولم يكن له عقب. وصنّف أكثر من ستين كتابًا، ورويت له منامات صالحة بعد موته، وكان قد انتهى إليه علم الحديث وحفظه في وقته.
ومنهم:
[٣٨] أبو نصر بن ماكولا، واسمه علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن علي بن محمد بن دلف ابن الأمير الجواد أبي دلف القاسم بن علي العجلي الجرباذقاني، ثم البغدادي (١)
الأمير الكبير الحافظ النسابة نبعه من ذلك العرق، ولمعه من ذلك الحذق، طلع حيث لا يوقد قبس، وجرى حيث ينقطع كل نفس، وسرى وريح السعادة تجري السفن
(١) ترجمته في تاريخ دمشق ط دار الفكر ٤٣/ ٢٦٣ - ٢٦٥ رقم ٥١١٠ وفيه اسمه «علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن علكان بن محمد بن دلف بن أبي دلف القاسم بن عيسى بن أبي القاسم العجلي»، و (تراجم: عاصم - عايذ) ص ١٠٣ (في ترجمة «عالي بن عثمان بن جني»)، والأنساب =