[٤٧] القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد بن يوسف بن محمد بن أبي يداس البرزالي الأشبيلي الأصل الدمشقي الشافعي (١) أبو محمد الحافظ
عمدة الحفاظ، مؤرخ الشام، ممن ولدته دمشق، والفحل فحل مُعْرِق، وأوجدته الأيام، فسطع ضوؤها المشرق، وتمخضت منه الليالي عن واحدها واحد أهل المشرق، ومشى فيها على طريق واحد ما تغيّر عن سلوكها، ولا تقهقر في سلوكها يصحب الخصمين وهما من هما، والنظيرين والضرغامة الأسد منهما، وكل منهما راض بصحبته، واثق به لا يعده إلا من أحبته. وكان عند شيخي الإسلام آخر المجتهدين ابن تيمية، وابن الزملكاني، وما منهما إلا من هو عليه مرتبط، وبه مغتبط، يذيع إليه سره في صاحبه، ويتبسط لديه في معاتبه، وهو ساكت لا ينطق بحرف، ولا يشارك حتى ولا بإيماء طرف. وعرف بهذا واشتهر حتى صار عندهما موضع الثقة، ومكان المقة، ومحل الصداقة المحققة، ثم كان يسعى في صلاح ذات بينهما فيعجز، ويعده كل منهما به، ولا ينجز، فاغمد لسانه، وترك كل امرئ منهما وشانه وكان ممن ينفع الطلبة، ويستلذ في راحتهم تعبه، ويحرص على إسماعهم، ويقيد مجالس سماعهم، لا يشغله عنهم ما كان معدًا له من حضور مجالس الحكام، والتسجيل عنهم بالأحكام، وحضور الوظائف ومجالسة أكثر الطوائف، ثم بلغني أنه توجه إلى الحج فمات بخليص، وقد استقبل مكة ميممًا، وكفّن في ثياب إحرامه، ليبعث يوم القيامة محرمًا.
ولد في عاشر جمادى الأولى سنة خمس وستين وستمائة، واعتنى بالرواية من صغره، فقرأ بنفسه الكتب الكبار، ورحل إلى الديار المصرية، والثغر، والبلاد
(١) ترجمته في: فوات الوفيات ٢/ ٢٦٥، البداية والنهاية ٩/ ٤٤٠، البدر الطالع ٢/ ٥١، طبقات الشافعية للسبكي ١٠/ ٣٨١، تاريخ ابن الوردي ٣/ ٣٢٧، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٥٠١.