للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الشمالية، وسمع مما ينيف على ألفي شيخ، وأجاز له ألف آخر، فاشتمل معجمه على نيف وثلاثة آلاف شيخ، وكتب الأثبات، والتعاليق، والأجزاء، والتاريخ، والتخاريج، ما لا يحصى كثرة. حرّر مسموعاته وصار مقتدى به مرجوعًا إليه في هذا الشأن مع الحفظ، والاتقان، والصدق، والتحري.

وكتب الشروط فأحكمها، والسجلات، فأتقنها، وله فيها مصنّفات، وكان محسنًا إلى الطلبة، متلطفًا بهم، صبورًا على التعليم، سهل العارية لكتبه وأجزائه فيقضي أوقاته في السماع والتسميع، وكتابة الطباق، وقضاء حوائج الناس، والمواظبة على وظائفه من غير انقطاع إلا لعذر مانع شرعًا. ولي المشيخات، وصحب الأكابر من أهل العلم.

وولد له عدة أولاد توفوا كلهم في حياته، فصبر واحتسب. منهم: المحصل بهاء الدين أبو الفضل محمد. اعتنى به واجتهد إلى أن حفظ المحافيظ، وقرأ القرآن للسبع، وشهد على الحكام، ولم ينبت، وحجّ به، وتوفي وهو شاب. ومنهم فاطمة اجتهد عليها وعلمها الخط، وكتبت ربعة شريفة، وشرعت في صحيح البخاري، فكتبت منه مقدار النصف، ثم حصل لها نفاس، وأعقبها مرضًا أشرفت فيه على الموت مرات، حتى إنَّ كثيرًا من الأعيان كانوا يبطلون مهماتهم، ويتهيئون لتشييع جنازتها، ثم نَقِهَتْ من ذلك، فأكملت الصحيح كتابة في ثلاثة عشر مجلدًا بخط واضح؛ فلما فرغت شرعت في تحصيل الورق وغيره لكتابة صحيح مسلم، فتوفيت قبل شروعها في الكتابة، وذلك بعد فراغها من صحيح البخاري بنحو شهر.

وحكى والدها أنها في أثناء مرضها المذكور كانت تتأسف على عدم تكميل البخاري، وتودّ لو عاشت إلى أن تكمله، ثم تموت، فكان ذلك، وصبر والدها، واحتسبها عند الله، وقابل النسخة المذكورة مرتين، واعتنى بها، وصارت عمدةً في الصحة.

وحج أبو محمد البرزالي خمس حجج سمع وأسمع فيها بدرب الحجاز، والحرمين، والأماكن المعظمة، ثم قصد الحجّ مرّة سادسة عقيب مرض، فعاوده بدرب الحجاز، ودخل المدينة النبوية محمولًا لمرضه، ثم أحرم، فتوفي بخليص بكرة الأحد رابع ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، فعزم على نقله، ودفنه بمكة، فحصل خلاف بين الفقهاء الحجاج في هذه السنة، وكانوا جماعة من شيوخ المذاهب في جواز النقل، وخيف عليه من الحرّ فصلّي عليه بمخيم الحاج، ودفن إلى جانب البرج بخليص. ووصل خبره إلى الديار المصرية، ثم إلى دمشق في خامس المحرم سنة أربعين، وصلّي

<<  <  ج: ص:  >  >>