للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ونصب له السلطان المنبر، وكان في وقته بالعراق مشايخ أسند منه، ولم يبلغوا في الآلة والإتقان ما بلغ هو.

وقال ابن شاهين: أملى علينا ابن أبي داود، وما رأيت بيده كتابًا. إنما كان يملي حفظًا، وكان يقعد على المنبر بعد ما عَمِي، ويقعد دونه بدرجة ابنه بيده كتاب، فيقول له: حديث كذا، فيسرده من حفظه حتى يأتي على المجلس، قرأ علينا يومًا حديث القنوت - من حفظه - فقام أبو تمام الزينبي وقال: الله درك ما رأيت مثلك إلا أن يكون إبراهيم الحربي، فقال: كلما كان يحفظ إبراهيم الحربي، فأنا أحفظه، وأنا أحفظ النجوم، وما كان يعرفها.

وكان أبو بكر مع سعة علمه قوي النفس مُدِلًا. حكى أبو حفص بن شاهين: أنَّ علي بن عيسى الوزير أراد أن يُصلح بين ابن صالح وبين ابن أبي داود، فجمعهما، وحضر أبو عمر القاضي، فقال الوزير: يا أبا بكر أبو محمد أكبر منك، فلو قمت إليه.

قال: لا أفعل، فقال الوزير: أنت شيخ زيف، قال: الزيف الكذاب على رسول الله ، فقال الوزير: من الكذاب على رسول الله؟ قال: هذا؛ ثم قام، وقال: تتوهم أني أذلّ لك؛ لأجل رزقي، وأنه يصل على يدك، والله لا أخذت من يدك شيئًا.

قال: فكان المقتدر يزن رزقه بيده، ويبعث به في طبق على يد الخادم، وكان قد روي شيئًا من قول النواصب، فأخطأ بنقله، فشنّع عليه أنه نال من علي، فسعي في قتله، فخلصه من القتل عبد الله بن حفص الذاكوني، ونفاه ابن الفرات من بغداد إلى واسط، ثم رده علي بن عيسى، فحدث وأظهر فضائل عليّ، ثم تحنبل، فصار شيخًا فيهم.

قال محمد بن عبيد الله بن الشخير: كان ابن أبي داود زاهدًا ناسكًا. صلى عليه يوم مات نحو من ثلاثمائة ألف إنسان، وأكثر.

ومات في ذي الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة، وله سبع وثمانون سنة وصلّى عليه ثمانين مرة.

ومنهم:

[٢٦] عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي (١)، أبو محمد

شيخ الإسلام.


(١) ترجمته في: طبقات فقهاء الشافعية للعبادي ٢٩، والسنن الكبرى للبيهقي ١/ ٤٢٥، وتاريخ =

<<  <  ج: ص:  >  >>