للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

ولعل من حكمة الله ورحمته بيعقوب ما قدّره عليه من الفُرقة التي أحدثت له من الحزن والمصيبة ما أحدثت رفعةً لمقاماته في الدنيا والآخرة، وليكون للنعمة عند حصول الاجتماع لها الموقع الأكبر والشكر الكثير، والثناء على الله بها، وليصل ولده يوسف إلى ما وصل إليه من المقامات الجليلة.

ومنها: أن آيات الله إنَّما ينتفع بها السائل المستهدي الذي قصده معرفة الحق واتباعه؛ لقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]، أما الغافلون المعرضون أو المعارضون المعاندون فإنه يصدق عليهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]، فالنظر في آيات الله المتلوّة وآيات الله الكونية ينفع من قصده الحق، كما قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، وكم في القرآن تقييد الانتفاع بهذا القيد، كقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] ﴿آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠]، ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣].

ومنها: الحذر من شؤم الذنوب، وأنَّ الذنب الواحد يستتبع ذنوبًا متعددة، ولا يتمُّ لفاعله إلا بعدة جرائم؛ فإخوة يوسف لما أرادوا التفريق بينه وبين أبيه احتالوا لذلك بأنواع من الحيل، وكذبوا عدة مرات، وزوَّروا على أبيهم في القميص والدَّم الذي فيه، وفي إتيانهم عشاءً يبكون، ولا تستبعد أنَّه قد كَثُرَ البحث فيها في تلك المدَّة، بل لعلَّ ذلك اتَّصل إلى أن اجتمعوا بيوسف، وكلما صار البحث حصل من الإخبار بالكذب والافتراء ما حصل، وهذا شؤمُ الذنب وآثاره التابعة والسابقة واللاحقة.

ومنها: أنه لا ينبغي أن يغترَّ بمجرد صورة القرائن، ولما أتت إلى شُرَيح امرأة مع خصمها أرسلت عينيها بالبكاء، فقال لشريح بعضُ الحاضرين: ما أظن البائسة إلا مظلومة، فقال شريح: ألم تسمع قصة إخوة يوسف إذ أتوا

<<  <   >  >>