للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

﴿أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾، هل كانوا مظلومين أو ظالمين؟! فكم حصل بمثل هذه التمويهات من الاغترار وقلب الحقائق، لهذا كان الأذكياء يجعلون كل احتمال على بالهم، وينظرون إلى الأمور من جميع جهاتها ونواحيها.

ومنها: أنَّ العبرة في حال العبد بكمال النهاية، لا بنقص البداية، فإنَّ أولاد يعقوب جرى منهم ما جرى في أول الأمر مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح، والسماح التام من يوسف ومن أبيهم، والدُّعاء لهم بالمغفرة والرحمة، وإذا سمح العبد عن حقّه فالله خير الراحمين، ولهذا - في أصح الأقوال - أنهم كانوا أنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾، وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم، ومما يدلُّ على ذلك أن في رؤيا يوسف أنه رآهم كواكب نيّرة، والكواكب فيها النور والهداية، الذي من صفات الأنبياء، فإنْ لم يكونوا أنبياء فإنَّهم علماء هداة.

ومنها: ما منَّ الله به على يوسف من العلم والحلم، ومكارم الأخلاق، والدعوة إلى الله وإلى دينه، وعَفْوه عن إخوته الخاطئين عفوًا بادرهم به، وتمَّ ذلك بأن لا يُثَرِّب عليهم ولا يُعَيِّرَهم به، ثم برُّه العظيم بأبويه، وإحسانه لإخوته، بل لعموم الخلق.

ومنها: أن بعض الشرِّ أهون من بعض، وارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أعظمهما؛ فإنَّ إخوة يوسف لما اتَّفقوا على قتل يوسف أو إلقائه أرضًا، وقال قائل منهم: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾؛ كان قوله أحسن منهم وأخفَّ، وبسببه خفَّ عن إخوته الإثم الكبير.

ومنها: أنَّ الشيء إذا تداولته الأيدي، وصار من جملة الأموال، ولم يُعْلَم أنه كان على غير وجه الشرع؛ أنَّه لا إثم على مَنْ باشره ببيع أو شراء، أو

<<  <   >  >>