ومنها: أنَّ الهمَّ الذي همَّ به يوسف بالمرأة ثم تركه لله مما يقرِّبه إلى الله زلفى؛ لأنَّ الهمَّ داعٍ من دواعي النفس الأمارة بالسوء، وهو طبيعة لأغلب الخلق، فلما قابل بينه وبين محبَّة الله وخشيته غلبت محبَّة الله وخشيته داعي النفس والهوى، فكان ممن ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾، ومن السبعة الذين يُظِلُّهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، أحدهم:«رجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله»(١)، وإنَّما الهمُّ الذي يُلام عليه العبد هو الهمُّ الذي يساكنه، ويصير عزمًا ربَّما اقترن به الفعل.
ومنها: أنَّ مَنْ دخل الإيمانُ قلبه، وكان مخلصًا لله في جميع أموره؛ فإنَّ الله يدفع عنه ببرهان إيمانه، وصدق إخلاصه من أنواع السوء والفحشاء وأسباب المعاصي ما هو جزاءٌ لإيمانه وإخلاصه؛ لقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، على قراءة مَنْ قرأها بكسر اللام، ومن قرأها بالفتح فإنَّه من إخلاص الله إياه، وهو متضمن لإخلاصه هو بنفسه، فلما أخلص عمله لله أخلصه الله، وخلَّصه من الشرور، وعصمه من السوء والفحشاء.
ومنها: أنه ينبغي للعبد إذا رأى محلًّا فيه فتنة وأسباب معصية أن يفرَّ منه ويهرب غاية ما يمكنه؛ ليتمكَّن من التخلُّص من المعصية؛ لأنَّ يوسف ﵇ لما راودته التي هو في بيتها فرَّ هاربًا يطلبُ الباب ليتخلَّص من شرِّها.
ومنها: أنَّ القرائن يُعمل بها عند الاشتباه، فلو تخاصم رجل وامرأته في شيء من أواني الدار فما يصلُح للرجل فإنَّه للرجل، وما يصلُح للمرأة فهو لها، هذا إذ لم يكن بيِّنة، وكذا لو تنازع نجارٌ وحدادٌ في آلة حرفتهما من غير بيِّنة، والعمل بالقافة في الأشباه والأثر من هذا الباب؛ فإنَّ شاهد يوسف شهد بالقرينة، وحكم بها في قَدِّ القميص، واستدلَّ بقدِّه من دُبُره على صِدْق يوسف وكذبها.