ومما يدلُّ على هذه القاعدة أنّه استدلَّ بوجود الصُّواع في رَحْل أخيه على الحكم عليه بالسرقة من غير بيّنة شهادةٍ ولا إقرار، فعلى هذا إذا وُجِد المسروق في يد السارق، خصوصًا إذا كان معروفًا بالسرقة؛ فإنه يحكم عليه بالسرقة، وهذا أبلغ من الشهادة، وكذلك وجود الرجل يتقيَّأ الخمر، أو وجود المرأة التي لا زوج لها ولا سيّد حاملًا؛ فإنه يُقام بذلك الحدُّ ما لم يقم مانعٌ منه، ولهذا سمّى الله هذا الحكم شاهدًا، فقال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾.
ومنها: تكميل يوسف صلوات الله عليه لمراتب الصبر، الصبر الاضطراري: وهو صبرٌ على أذية إخوته، وما ترتَّب عليها من بُعْده عن أبويه، وصبره في السجن بضع سنين، والصبر الاختياري: هو صبر على مراودة سيدته امرأة العزيز مع وجود الدواعي القوية من جمالها وعلو منصبها، وكونها هي التي راودته عن نفسه وغلَّقت الأبواب، وهو في غاية ريعان الشباب، وليس عنده من قرابته ومعارفه الأصليين أحد، ومع هذه الأمور ومع قوة الشهوة مَنَعَهُ الإيمان الصادق، والإخلاص الكامل من مواقعة المحظور، وهذا هو المراد بقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤]، فهو برهان الإيمان الذي يغلب جميع القوى النفسية، فكان هو مقدَّم السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهو «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله»، ثم بعد ذلك راودته المرأة، واستعانت بالنسوة اللاتي قطّعن أيديهن، فلم تُحدِّثه نفسه، ولم يَزَل الإيمان ملازمًا له في أحواله، حتى قال بعدما توعَّدته بقولها: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٢، ٣٣]، فاختار السجن على مواقعة المحظور، ومع ذلك فلم يَتَّكل على نفسه، بل استغاث بربه أن يصرف عنه شرهن، ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤]، وكما أنه كمَّل مراتب الصبر، فقد كمَّل مراتب العدل والإحسان للرعية حين