للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

تولى خزائن البلاد المصرية، وكمل مراتب العفو والكرم حين قال له إخوته: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩١ - ٩٢]، فارتقى إلى أعلى مقامات الفضل والخير والصدق والكمال، ونشر الله له الثناءين الكاملين في العالمين.

ومنها: ما عليه يوسف من الجمال الظاهر والباطن؛ فإنَّ جماله الظاهر أوجب للمرأة التي هو في بيتها ما أوجب، وللنساء اللاتي جمعتهن حين لُمْنَها على ذلك أن قطعن أيديهنَّ، وقلن: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، وأما جماله الباطن فهو العفَّة العظيمة عن المعصية مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوعها، وشهادة امرأة العزيز والنسوة بعد ذلك ببراءته، ولهذا قالت امرأة العزيز: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَاسْتَعْصَمَ﴾، وقالت بعد ذلك: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وقالت النسوة: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾.

ومنها: أن يوسف اختار السجن على المعصية؛ فهكذا ينبغي للعبد إذا ابتلي بين أمرين؛ إما فعل معصية، وإما عقوبة دنيوية؛ أن يختار العقوبة الدنيوية على واقعة الذنب الموجب للعقوبة الشديدة في الدنيا والآخرة، ولهذا من علامات الإيمان أن يكره العبدُ أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار.

ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يلتجئ إلى الله عند خوف الوقوع في فتن المعاصي والذنوب، ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية، ويتبرأ من حوله وقوته، مع الصبر والاجتهاد في البُعد عنها، كما فعل يوسف ودعا ربه: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، وأن العبد لا حول ولا قوة ولا عصمة له إلا بالله، فالعبد مأمور بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور، مع الاستعانة بالملك الشكور.

<<  <   >  >>