ومنها: أنَّ العلم والعقل يدعوان صاحبهما إلى الخير، وينهيانه عن الشر، وأنَّ الجهل يدعو صاحبه إلى موافقة هوى النفس، وإن كان معصية ضارًا لصاحبه.
ومنها: أن الجهل كما يطلق على عدم العلم فإنه يطلق على عدم الحلم، وعلى ارتكاب الذنب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، وأما قوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُم مَا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] ليس المعنى في ذلك عدم العلم، وإنما هو عدم العمل به واقتحام الذنوب، ومنه قول موسى ﵇: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]، وقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، وكل من عصى الله فهو جاهل باعتبار عدم العمل بالعلم؛ لأن العلم الحقيقي ما زال به الجهل وأوجب العملَ.
ومنها: أنَّه كما على العبد عبوديَّة لله في الرخاء، فعليه عبودية له في الشدَّة؛ فيوسف ﵇ لم يَزَلْ يدعو إلى الله، فلما دخل السجن استمرَّ على ذلك، ودعا الفتيَيْن إلى التوحيد، ونهاهما عن الشرك، ومن فطنته ﵇ أنَّه لما رأى فيهما قابلية لدعوته، حيث ظنَّا فيه الظنَّ الحسن، وقالا له: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وأتياه لأن يعبُر لهما رؤياهما، فرآهما متشوقَيْن لتعبيرها عنده، رأى ذلك فرصة فانتهزها، فدعاهما إلى الله تعالى قبل أن يعبُر رؤياهما؛ ليكون أنجح لمقصوده، وأقربَ لحصول مطلوبه، وبيَّن لهما أولًا أنَّ الذي أوصله إلى الحال التي رأياه فيها من الكمال والعلم إيمانه وتوحيده، وتركُه مِلَّة مَنْ لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا دعاءٌ لهما بالحال، ثم دعاهما بالمقال، وبيَّن فساد الشرك وبرهن عليه، وحقيقة التوحيد وبرهن عليه.
ومنها: أنَّه يبدأ بالأهم فالأهم، وأنَّه إذا سُئِل المفتي، وكان السائل حاجته في غير سؤاله أشد؛ أنَّه ينبغي له أن يعلِّمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤاله؛