مع طول مُكْثِهِ حتى تتبيَّن لهم براءته بحال النسوة اللاتي قطَّعن أيديهنَّ، حيث بان لكل أحد براءته التامة التي لا شبهة فيها، فلم يخرج من السجن لمواجهة الملك إلا في حالة براءته وهيبته ورفعته، وتعظيمِ منهم لعلمه وفضله ونزاهته عليه الصلاة السلام.
ومنها: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]، دليل على أن هذا وصف النفس من حيث هي، وأنها لا تخرج عن هذا الوصف إلا برحمة من الله وعناية منه؛ لأن النفس ظالمة جاهلة، والظلم والجهل لا يأتي منهما إلا كلُّ شر، فإن رحم الله العبد ومَنَّ عليه بالعلم النافع وسلوك طريق العدل في أخلاقه وأعماله خرجت نفسه من هذا الوصف، وصارت مطمئنة إلى طاعة الله وذِكْره، ولم تأمر صاحبها إلا بالخير، ويكون مآلها إلى فضل الله وثوابه، قال تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]، فعلى العبد أن يسعى في إصلاح نفسه وإخراجها من هذا الوصف المذموم، وهو أنها أمارة بالسوء، وذلك بالاجتهاد، وتخلُّقها بأحسن الأخلاق، وسؤال الله على الدوام، وأن يكثر من الدعاء المأثور:«اللهم اهدني لأحسن الأعمال والأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئ الأعمال والأخلاق، لا يصرف عني سيئها إلا أنت»(١).
ومنها: فضيلة العلم؛ علم الأحكام والشرع، وعلم تعبير الرؤيا، وعلم التدبير والتربية؛ وأنه أفضل من الصورة الظاهرة، ولو بلغت في الحُسْن جمال يوسف؛ فإنَّ يوسف بسبب جماله حصلت له تلك المحنة والسجن، وبسبب علمه حصل له العزُّ والرِّفعة والتمكين في الأرض؛ فإنَّ كلَّ خيرٍ في الدنيا والآخرة من آثار العلم وموجباته.