ومنها: فضيلة العلم من وجوه كثيرة، وبيان أنه سبب الرفعة في الدنيا والآخرة، وسبب صلاح الدين والدنيا، فيوسف ﵇ لم يَنَلْ ما نال إلا بالعلم، ولهذا قال له أبوه: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]، وامتن عليه وَقْتَ مُكْثِه عند عزيز مصر بالتجربة والعلم، وحاز مقام الإحسان بالعلم، وخرج من السجن في حال العز والكرامة بالعلم، وتمكَّن عند ملك مصر، واستخلصه لنفسه حين كلَّمه وعرف ما عنده من العلم، ودبَّر أحوال الخلق في الممالك المصرية بإصلاح دنياهم، وحُسْن تدبيره في حفظ خزائن الأرض وتصريفها وتوزيعها بالعلم، وعند نهاية أمره توسَّل إلى ربه أن يتولاه في الدنيا بالعلم، حيث قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، ففضائل العلم وثمراته الجليلة العاجلة والآجلة لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى.
ومنها: فضل الإيمان الكامل واليقين، والطمأنينة بالله وبذكره، حيث اتَّصف بها يوسف ﵇ أوجبت له الثبات في أموره كلها، والاشتغال فيما هو بصَدَدِهِ من وظائفه الحاضرة، وهو في أحواله وتنقلاته مطمئن القلب ثابت النفس، ليس عنده قلق لبُعْده عن أبيه وأحبابه، مع ما يعلمه من شدة الشوق والحب المفرط بينه وبين والديه، خصوصًا أباه، وهو يعلم المكان الذي هو فيه، ويتمكن من مراسلته، ولكن اقتضت حكمة الله ألَّا يحصل اللقاء إلا في تلك الحال التي اشتدت مشقتها وعظمت شدتها، فأعانه الله وأيَّده بروح منه، وهذا من أَجَلِّ ثمرات الإيمان.
ومنها: أنَّ علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنَّه يثاب الإنسان على تعلُّمه وتعليمه، وأنَّ تعبير الرؤيا داخلٌ في الفتوى؛ لقوله للفتيين: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾، وقال الملك: ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾، وقال الفتى ليوسف: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ الآيات؛ فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم.