ومنها: أنه لا بأس أن يخبرَ الإنسان عما في نفسه من صفات الكمال من علم أو عمل، إذا كان في ذلك مصلحةٌ، ولم يقصد به العبد الرياء، وسلم من الكذب؛ لقول يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، وكذلك لا تُذمُّ الولاية إذا كان المتولي فيها يقوم بما يقدر عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وأنه لا بأس بطلبها إذا كان أعظم كفاءةً من غيره، وإنما يذمُّ إذا لم يكن فيه كفايةٌ، أو كان موجودًا غيره مثله، أو أعلى منه، أو لم يُردْ بها إقامة أمر الله؛ فبهذه الأمور يُنهى عن طلبها، والتعرض لها.
ومنها: أن الولايات الكبار والصغار لا بد لمتوليها أن يكون كفؤًا في قوته وأمانته، وعلمه بأمور الولاية؛ لأن الملك لما كلَّم يوسف ورأى من علمه وخبرته بالأمور، وحسن نظره استخلصه لنفسه، وقال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤]، وقال يوسف: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، فعلَّل ذلك بكمال حفظه لما تحت يده وتصرفه، وكمال علمه بوجوه المستخرج والمنصرف، وحُسْن التدبير، وليس في هذا طلب الولاية ابتداءً، كما قاله كثير من أهل العلم، بل إنه لما رأى الملك استخلصه ومكَّنه من الأمور، وأن الأمور كلها تحت طوعه وتدبيره، طلب من الملك تولي خزائن الأرض فقط لأنها أهم، ولأنه يعلم أن ولايته لها أنفع للملك وللخلق، وهذا من كمال نُصحه وصدق نظره.
ومنها: أن الله واسع الجود والكرم، يجود على عبده بخير الدنيا والآخرة، وأنَّ خير الآخرة له سببان: الإيمان، والتقوى، وأنه خيرٌ من ثواب الدنيا ومُلكها، وأنَّ العبد ينبغي له أن يدعو نفسه، ويشوّقها لثواب الله، ولا يدعها تحزن إذا رأت أهل الدنيا ولذاتها وهي غير قادرة عليها، بل يسليها بثواب الله الأخروي، وفضله العظيم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.