للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

ومنها: أن العقود تنعقد بما يدل عليها من قول وفعل، لا فرق بين عقود التبرعات وعقود المعاوضات؛ لأن يوسف مَلَّك إخوته بضاعتهم التي اشتروا بها مِيرَتَهُم من حيث لا يشعرون، ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ٦٥] الآية، وذلك من دون إيجاب وقبول قولي؛ لأن الفعل والرضا يدل على ذلك.

ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، استدل به على ثلاثة أبواب من أبواب العلم: باب الجعالة، وباب الضمان، وباب الكفالة؛ لأن قوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾، من نوع الجعالة، وهو أن يجعل شيئًا معلومًا أو مقاربا للمعلوم كحمل البعير؛ لأنه متعارف لمن يعمل له عملًا معلومًا وعملًا مجهولًا، وهي جائزة لما فيها من مصلحة الجاعل والعامل، وقوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، أي: ضامن وكفيل، وهي من عقود التوثقة بالحقوق التي يتم بها توسيع المعاملات وإصلاحها.

ومنها: أنَّ جباية الأرزاق إذا أريد بها التوسعة على الناس من غير ضررٍ يلحقهم لا بأس بها؛ لأنَّ يوسف أمرهم بجباية الأرزاق والأطعمة في السنين المخصبات للاستعداد للسنين المجدبة، وأنَّ هذا غير مناقضٍ للتوكُّل على الله، بل يتوكَّل العبد على الله، ويعمل بالأسباب التي تنفعه في دينه ودنياه.

ومنها: حُسْن تدبير يوسف لما تولى خزائن الأرض، حتى كثرت عندهم الغلَّات جدًّا، حتى صار أهلُ الأقطار يقصدون مصر لطلب الميرة منها؛ لعِلْمهم بوفورها فيها، وحتى إنَّه كان لا يكيل لأحد إلا مقدار الحاجة الخاصَّة أو أقلَّ، لا يزيد كلَّ قادم على كَيْلِ بعيرٍ وحَمْلِه.

ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنها من سنن المرسلين، وإكرام الضيف، وقررتها هذه الشريعة؛ لقول يوسف لإخوته: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.

<<  <   >  >>