ومنها: أن من الحزم إذا أراد العبد فعلًا من الأفعال أن ينظر إليه من جميع نواحيه، ويُقدِّر كل احتمال ممكن، وأن الاحتراز بسوء الظن لا يضر إذا لم يحقق، بل يحترز من كل احتمال يُخْشَى ضرره.
ومنها: أنَّ سوء الظن مع وجود القرائن الدالَّة عليه غير ممنوع ولا محرَّم؛ فإنَّ يعقوب قال لأولاده بعدما امتنع من إرسال يوسف معهم حتى عالجوه أشدَّ المعالجة، ثم قال لهم بعدما أتوه، وزعموا أن الذئب أكله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، وقال لهم في الأخ الآخر: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾، ثم لما احتبسه يوسف عنده، وجاء إخوته لأبيهم قال لهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، فهم في الأخيرة وإن لم يكونوا مفرِّطين؛ فقد جرى منهم ما أوجب لأبيهم أن قال ما قال من غير إثم عليه ولا حرج.
ومنها: أن العمل بالشريعة فيه إصلاح الأرض والبلاد واستقامة الأمور، والعمل بالمعاصي من سرقة وغيرها فيه فساد، ذلك لقولهم: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣]، وكم في القرآن من التصريح أن العمل بالمعاصي ومخالفة الرسل فساد للأرض، ومتابعة الرسل هو الصلاح المطلق؛ صلاح الدين والدنيا.
ومنها: الدلالة على الأصل الكبير الذي أعاده الله وأبداه في كتابه؛ أن لكل نفس ما كسبت من الخير والثواب، وعليها ما اكتسبت من الشر والعقاب، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى؛ لقوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩].
ومنها: أن استعمال الأسباب الدافعة للعين وغيرها من المكاره، أو الرافعة لها بعد نزولها، غير ممنوع، بل جائز، وإن كان لا يقع شيءٌ إلا بقضاء وقدرٍ؛ فإنَّ الأسباب أيضًا من القضاء والقدر؛ بشرط أن يفعلها العبد وهو معتمد على