مُسَبِّبها؛ لأمر يعقوب، حيث قال لبنيه: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾، وأخبر تعالى أنهم امتثلوا أمر أبيهم، وأن هذا الأمر لم يُغْنِ شيئًا إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها؛ وهو شفقة الوالد على أولاده، والشريعة جاءت بإثبات الأسباب النافعة الدينية والدنيوية، والحث عليها، مع الاستعانة بالله، كما ثبت عنه ﷺ أنه قال:«احرص على ما ينفعك واستعن بالله»(١).
ومنها: جواز استعمال الحيل والمكايد التي يتوصل بها إلى حق من الحقوق الواجبة والمستحبة أو الجائزة، وأنَّ العلم بالطرق الخفية الموصلة إلى مقاصدها مما يُحمد عليه العبد، كما استعمل يوسف ذلك مع أخيه، حيث وضع السقاية في رحل أخيه، ثم أذّن مؤذن بعد رحيلهم ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] إلى قوله: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ استَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦]، فعمل مع أخيه هذا العمل ليتوصل به إلى بقائه عنده من غير شعور منهم، فلما تقرَّر عندهم أنه هو الذي أخذ الصواع استفتاهم عن حكم السارق في دينهم، فقالوا: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [يوسف: ٧٥]، أي: جزاء السارق أن يتملَّكه المسروق منه، فحكموا على أنفسهم هذا الحكم الذي هو المقصود ليوسف، ولو أجرى عليه حكم ملك مصر لكان له حكم آخر، فيسَّر الله هذا العمل وهذا الحكم ليبقى أخوه عنده، فالحِيَل التي على هذا النوع لا حرج فيها، وإنما المحرَّم هو الحِيَل والمكايد التي يتوصَّل بها إلى إحلال المحرَّمات أو إسقاط الواجبات.
ومنها: أنه ينبغي لمن أراد أن يوهم غيره بأمرٍ لا يحبُّ أن يطلع عليه أن يستعمل المعاريض القولية والفعلية المانعة له من الكذب، كما فعل يوسف، حيث ألقى الصُّواع في رَحل أخيه، ثم استخرجها منه مُوهمًا أنَّه سارقٌ، وليس