للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

فيه إلا القرينة الموهمة لإخوته، وقال بعد ذلك: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾، ولم يقل: «مَنْ سرق متاعنا»، وكذلك لم يقل: «إنا وجدنا متاعنا عنده»؛ بل أتى بكلام عام يصلُح له ولغيره، وليس في ذلك محذور، وإنَّما فيه إيهام أنَّه سارق؛ ليحصُل المقصود الحاضر، وأنه يبقى عند أخيه، وقد زال عن الأخ هذا الإيهام بعدما تبيَّنت الحال.

ومنها: قوله تعالى: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: (٧٩)]، يدل على أنه لا تَزِر وازرة وزر أخرى، ويؤخذ منه مسألة دقيقة، وهو أن الإحسان إنما يكون إحسانًا إذا لم يتضمَّن فِعْلَ مُحرَّم، أو تَرْك واجب، فإنهم طلبوا من يوسف أن يُحْسِن إليهم بترك هذا الأخ أن يذهب إلى أبيه، ويأخذ أحدهم بدله فامتنع، وقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾، فالإحسان إذا تضمن تَرْك العدل كان ظلمًا، ولهذا كان تخصيص بعض الأولاد على بعض، وبعض الزوجات على بعض، وإن كان إحسانًا إلى المخصّص والمفضّل لا يجوز؛ لأنه تَرْك للعدل، وكذلك ما أشبه ذلك، والله أعلم.

ومنها: أن المشاورة نافعة في كل شيء حتى في تخفيف الشر، لهذا تشاور إخوة يوسف ما يعملون به من قَتْلٍ أو طَرْح في الأرض، وقرَّ رأيهم على رأي مَنْ أشار عليهم بإلقائه في الجب ليلتقطه بعض السيارة، ففيه شاهد للقاعدة المشهورة «ارتكاب أخفِّ المفسدتين أولى من أغلظهما»، ولما قرَّ القرار على أخذ مَنْ وُجد الصواع في رحله، وعالجوا يوسف على أخذ بدله لأجل ما يعلمون من مشقة أبيهم فامتنع، خلصوا نجيًّا يتشاورون، فقرَّ رأيهم على رأي كبيرهم أن يبقى هو في مصر يلاحظ مسألة أخيه، وهم يذهبون ويخبرون أهلهم، ويخبرون أباهم بالقضية وتفصيلها، ولا شك أن بقاءه في مصر أهون على يعقوب وأرجى لتحصيل المطلوب، وفيه نوع

<<  <   >  >>