لشدّتها وقوّة موسى، فندم موسى ﵇ على ما جرى منه، و ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: من تزيينه ووسوسته، ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾، فلذلك أجريتُ ما أجريتُ بسبب عداوته البيّنة، وحرصه على الإضلال، ثم استغفر ربه، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، خصوصًا للمُخْبِتِين، المبادرين للإنابة والتوبة؛ كما جرى من موسى ﵇، فقال موسى: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بالتوبة والمغفرة، والنعم الكثيرة، ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ أي: مُعينًا ومساعدًا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾، أي: لا أُعين أحدًا على معصيةٍ، وهذا وَعْدٌ من موسى ﵇، بسبب منّة الله عليه أن لا يُعينَ مجرمًا، كما فعل في قتل القبطي، وهذا يفيدُ أنَّ النعم تقتضي من العبد فعل الخير، وترك الشر.
فلمّا جرى منه قتل الذي هو من عدوّه أصبح ﴿فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ هل يشعرُ به آل فرعون أم لا؟ وإنما خاف؛ لأنّه قد علِم أنّه لا يتجرأ أحدٌ على مثل هذه الحال سوى موسى من بني إسرائيل، فبينما هو على تلك الحال؛ ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ﴾ على عدوّه ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ على قبطي آخر، ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾ موبّخًا له على حاله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، أي: بيّن الغواية، ظاهر الجراءة، ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ موسى ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ أي: له وللمخاصم المستصرخ لموسى، أي: لم يزل اللجاج بين القبطي والإسرائيلي، وهو يستغيث بموسى، فأخذته الحمية، حتى همّ أن يبطش بالقبطي، فقال له القبطي زاجرًا له عن قتله: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأنَّ من أعظم آثار الجبّار في الأرض قتل النفس بغير حق، ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ وإلا فلو أردت الإصلاح لحُلْت بيني وبينه من غير قتل أحد، فانكفَّ موسى عن قتله، وازعوى لوعظه وزجره، وشاع الخبرُ بما جرى من موسى في هاتين القضيتين، حتى تراود ملأ فرعون وفرعونُ على قتله، وتشاوروا على ذلك، فقيّض الله ذلك الرجل الناصح، وبادرهم إلى الإخبار لموسى بما اجتمع