عليه رأي مَلَئِهِم، فقال: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ أي: ركضًا على قدميه من نُصْحِهِ لموسى، وخوفه أن يوقعوا به، قبل أن يشعر، فقال: ﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ أي: يتشاورون فيك؛ ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ عن المدينة ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فامتثل نُصحَه. ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أن يُوقع به القتل، ودعا الله و ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فإنه قد تاب من ذنبه، وفعَلَهُ غضبًا من غير قصدٍ منه للقتل؛ فتوعدهم له ظلم منهم وجراءة، ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قاصدًا بوجهه مدينَ، وهو جنوبيُّ فلسطين حيث لا ملك لفرعون، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: وسط الطريق المختصر الموصل إليها بسهولة ورفق، فهداه الله سواء السبيل، فوصل إلى مدين.
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ مواشيهم، وكانوا أهل ماشية كثيرة، ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ أي: دون تلك الأمة، ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ غنمهما عن حياض الناس؛ لعجزهما عن مزاحمة الرجال، وبُخْلِهم وعدم مروءتهم عن السقي لهما، ﴿قَالَ﴾ لهما موسى: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾، أي: ما شأنكما بهذه الحالة؟ ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ أي: قد جرت