للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

العادةُ أنَّه لا يحصل لنا سقي حتى يُصْدِرَ الرعاء مواشيهم (١)؛ فإذا خلا لنا الجوُّ سقينا، ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾، أي: لا قوَّة له على السقي، فليس فينا قوَّةٌ نقتدِرُ بها، ولا لنا رجالٌ يزاحمون الرعاء، فَرَقَّ لهما موسى ورحمهما، ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ غيرَ طالبٍ منهما الأجر، ولا له قصدٌ غير وجه الله تعالى، فلما سقى لهما، وكان ذلك وقت شدة حرٍّ وسط النهار، بدليل قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾؛ مستريحًا لتلك الظلال بعد التعب، ﴿فَقَالَ﴾ في تلك الحالة مسترزقًا ربَّه: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، أي: إنِّي مفتقرٌ للخير الذي تسوقُهُ إليَّ وتيسِّرُه لي، وهذا سؤالٌ منه بحاله، والسؤال بالحال أبلغُ من السؤال بلسان المقال، فلم يَزَل في هذه الحالة داعيًا ربه متملِّقًا، وأما المرأتان فذهبتا إلى أبيهما، وأخبرتاه بما جرى، فأرسل أبوهما إحداهما إلى موسى، ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، وهذا يدلُّ على كرم عنصرها، وخُلُقها الحسن؛ فإنَّ الحياء من الأخلاق الفاضلة، وخصوصًا في النساء، ويدلُّ على أنَّ موسى لم يكن فيما فعله من السقي بمنزلة الأجير والخادم الذي لا يُستحى منه عادة، وإنَّما هو عزيزُ النفس، رأتْ من حُسن خُلُقه ومكارم أخلاقه ما أوجبَ لها الحياء منه، فقالت له: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾، أي: لا ليمُنَّ عليك، بل أنت الذي ابتدأتنا بالإحسان، وإنَّما قصدُه أن يكافئَك على إحسانك، فأجابها موسى، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾، من ابتداء السبب الموجب لهربه، إلى أن وصل إليه، ﴿قَالَ﴾ مسكِّنًا رَوْعه، جابرًا قلبَه: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، أي: ليذهبْ خوفك ورَوْعك؛ فإنَّ الله نجَّاك منهم، حيث وصلتَ إلى هذا المحلِّ الذي ليس لهم عليه سلطانٌ، ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾، أي: إحدى ابنتيه: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾، أي: اجْعَلْه أجيرًا عندك يرعى الغنم ويسقيها، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ أي:


(١) أي: يردُّ الرعاةُ أغنامهم عن الماء.

<<  <   >  >>