إِنَّ موسى أَوْلى مَنِ استُؤجِر؛ فإنَّه جمع القوَّة والأمانة، وخيرُ أجيرٍ استُؤجر مَنْ جمعهما؛ أي: القوَّة والقدرة على ما استُؤجِر عليه، والأمانة فيه بعدم الخيانة، وهذان الوصفان ينبغي اعتبارهما في كلِّ من يتولَّى للإنسان عملًا بإجارة أو غيرها؛ فإنَّ الخلل لا يكون إلا بفقدهما، أو فَقْد إحداهما، وأمَّا باجتماعهما فإنَّ العمل يتمُّ ويكملُ، وإِنَّما قالت ذلك لأنَّها شاهدت من قوة موسى عند السَّقْي لهما ونشاطه ما عرفتْ به قوَّته، وشاهدت من أمانته وديانته، وأنَّه رحمهما في حالةٍ لا يُرجى نفعهما، وإِنَّما قصدُه بذلك وجه الله تعالى.
فقال صاحبُ مدين لموسى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ أي: تصير أجيرًا عندي ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾، أي: ثماني سنين، ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ تبرُّع منك لا شيء واجبٌ عليك، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ فأحتِّم عشر السنين، أو ما أريد أن أستأجرك لأكلِّفك أعمالًا شاقَّة، وإنَّما استأجرتك لعمل سهل يسير لا مشقَّة فيه، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فرغَّبه في سهولة العمل، وفي حُسْن المعاملة، وهذا يدلُّ على أن الرجل الصالح ينبغي له أن يُحسّن خُلُقَهُ مهما أمكنه، وأنَّ الذي يُطلب منه أبلغُ من غيره، فقال موسى ﵇ مجيبًا له فيما طلبه منه -: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، أي: هذا الشرط الذي أنت ذكرت رضيتُ به، وقد تمَّ فيما بيني وبينك، ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ سواء قضيتُ الثماني الواجبة، أم تبرَّعت بالزائد عليها، ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ حافظٌ يراقبنا، ويعلم ما تعاقدنا عليه.
وهذا الرجلُ أبو المرأتين صاحبُ مدين ليس بشعيب النبيِّ المعروف، كما اشتهر عند كثير من الناس؛ فإنَّ هذا قولٌ لم يدلَّ عليه دليلٌ، وغايةُ ما يكون أن شعيبًا ﵇ قد كانت بلده مدين، وهذه القضيةُ جرت في مدين؛ فأين الملازمة بين الأمرين؟! وأيضًا فإنَّه غير معلوم أن موسى أدرك زمان شعيبٍ، فكيف