﴿تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾، أي: اعتمدوا عليه، والجؤوا إليه واستنصروه، ﴿فَقَالُوا﴾ ممتثلين لذلك: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، أي: لا تسلِّطهم علينا فيفتنُونا، أو يغلبُونا، فيفتتنون بذلك، ويقولون: لو كانوا على حقّ لما غُلبوا، ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ لنسلَم من شرّهم، ولنقيم على ديننا على وجهٍ نتمكَّن به من إقامة شرائعه، وإظهاره من غير معارض ولا منازع، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ﴾ حين اشتدَّ الأمر على قومهما من فرعون وقومه، وحرصوا على فتنتهم عن دينهم، ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾، أي: مُرُوهم أن يجعلوا لهم بيوتًا يتمكَّنون من الاستخفاء فيها، ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، أي: اجعلوها محلًّا تُصَلُّون فيها حيث عجزتم عن إقامة الصلاة في الكنائس، والبيَع العامة، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فإنها معونةٌ على جميع الأمور، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنصر والتأييد، وإظهار دينهم؛ فإن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا، وحين اشتدَّ الكرب، وضاق الأمر؛ فرَّجه الله ووسّعه، فلما رأى موسى القسوة والإعراض من فرعون ومَلَئِه دعا عليهم وأمَّن هارونُ على دعائه، فقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾ يتزينون بها من أنواع الحليِّ والثياب، والبيوت المزخرفة، والمراكب الفاخرة، والخدام، ﴿وَأَمْوَالًا﴾ عظيمةً ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾، أي: إن أموالهم لم يستعينوا بها إلا على الإضلال في سبيلك، فيضِلُّون ويُضِلُّون، ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾، أي: أتلفها عليهم؛ إما بالهلاك، وإما بجَعْلِها حجارةً غير منتفع بها، ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، أي: قَسِّها، ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ قال ذلك غضبًا عليهم، حيث تجرؤوا على محارم الله، وأفسدوا عباد الله، وصدُّوا عن سبيله، ولكمال معرفته بربّه بأنَّ الله سيعاقبهم على ما فعلوا بإغلاق باب الإيمان عليهم، ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾، هذا دليلٌ على أن موسى كان يدعو، وهارون يؤمِّن على دعائه، وأن الذي يؤمِّن