للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

ومنها: أنَّه عند تزاحُم المفسدتين إذا كان لا بدَّ من ارتكاب إحداهما فإنَّه يرتكبُ الأخفَّ منهما والأسلم؛ دفعًا لما هو أعظم وأكبر، فإنَّ موسى لما دار الأمرُ بين بقائه في مصر ولكنَّه يُقتل، أو يذهب إلى بعض البلدان البعيدة التي لا يعرِفُ الطريق إليها، وليس معه دليلٌ يدلُّه غير ربِّه، ولكن هذه الحالة أرجى للسلامة من الأولى، فتَبِعَها موسى.

ومنها: أنَّ الناظر في العلم عند الحاجة إلى العمل أو التكلُّم فيه إذا لم يترجَّح عنده أحدُ القولين؛ فإنَّه يستهدي ربَّه، ويسأله أن يهدِيَه الصواب من القولين، بعد أن يقصدَ بقلبه الحقَّ ويبحث عنه؛ فإنَّ الله لا يُخيِّب مَنْ هذه حاله؛ كما جرى لموسى لما قصد تلقاء مدينَ، ولا يدري الطريق المُعين إليها، قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، وقد هداه الله، وأعطاه ما رجاه وتمنَّاه.

ومنها: أنَّ الرحمة بالخَلْق، والإحسان على من يعرِفُ ومن لا يعرِفُ؛ من أخلاق الأنبياء، وأنَّ من جملة الإحسان الإعانة على سَقْي الماشية، وخصوصًا إعانة العاجز، كما فعل موسى مع ابنتي صاحب مدين حين سقى لهما لَمَّا رآهما عاجزتَيْن عن سَقْي ماشيتهما قبل صدور الرعاة.

ومنها: استحباب الدعاء بتبيين الحال وشرحها، ولو كان الله عالمًا بها؛ لأنَّه تعالى يحبُّ تضرُّع عبده، وإظهار ذُلِّه ومسكنته؛ كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.

ومنها: أنَّ الله كما يحبُّ من الداعي أن يتوسَّلَ إليه بأسمائه وصفاته، ونِعَمِه العامة والخاصة، فإنَّه يحبُّ منه أن يتوسَّل إليه بضعفه وعجزه وفقره، وعدم قدرته على تحصيل مصالحه، ودفع الأضرار عن نفسه؛ كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾؛ لما في ذلك من إظهار التضرع والمسكنة، والافتقار لله الذي هو حقيقة كل عبد.

<<  <   >  >>