وَإِنَّمَا يُرَاعَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَلاَمُ النَّاسِ بِخِلاَفِهِ، فَإِنْ كَانَ كَلاَمُ النَّاسِ بِخِلاَفِهِ وَجَبَ حَمْل اللَّفْظِ عَلَى مَا تَعَارَفَهُ النَّاسُ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً.
وَمِنْ أَدِلَّةِ تَقْدِيمِ الْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ عَلَى اللُّغَوِيِّ الأَْصْلِيِّ مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَال: إِنَّ صَاحِبًا لَنَا مَاتَ وَأَوْصَى بِبَدَنَةٍ، أَفَتُجْزِي عَنْهُ الْبَقَرَةُ؟ فَقَال: " مِمَّنْ صَاحِبُكُمْ؟ فَقَال مِنْ بَنِي رَبَاحٍ، فَقَال: " مَتَى اقْتَنَتْ بَنُو رَبَاحٍ الْبَقَرَ؟ إِنَّمَا الْبَقَرُ لِلأَْزْدِ، وَذَهَبَ وَهْمُ صَاحِبِكُمْ إِلَى الإِْبِل (١)
فَهَذَا الأَْثَرُ أَصْلٌ أَصِيلٌ فِي حَمْل الْكَلاَمِ الْمُطْلَقِ عَلَى مَا يُرِيدُهُ النَّاسُ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ إِرَادَةَ النَّاسِ تَذْهَبُ إِلَى الْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ، فِيمَا لَهُ مَعْنًى لُغَوِيٌّ وَمَعْنًى عُرْفِيٌّ، فَالظَّاهِرُ عِنْدَ إِطْلاَقِ اللَّفْظِ إِرَادَةُ الْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ، وَلِهَذَا لَوْ قَال الْغَرِيمُ لِغَرِيمِهِ: وَاللَّهِ لأََجُرَّنَّكَ فِي الشَّوْكِ، لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَتَهُ اللُّغَوِيَّةَ عَادَةً، وَإِنَّمَا يُرِيدُ شِدَّةَ الْمَطْل، فَلاَ يَحْنَثُ بِعَدَمِ جَرِّهِ فِي الشَّوْكِ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِإِعْطَائِهِ الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِ مُمَاطَلَةٍ.
وَلَوْ حَلَفَ: أَلاَّ يَجْلِسَ فِي سِرَاجٍ، فَجَلَسَ فِي الشَّمْسِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَمَّاهَا سِرَاجًا فِي قَوْلِهِ: {وَجَعَل الشَّمْسَ سِرَاجًا} (٢) وَكَذَا لاَ يَحْنَثُ مَنْ جَلَسَ عَلَى الأَْرْضِ، وَكَانَ قَدْ حَلَفَ أَلاَّ يَجْلِسَ عَلَى بِسَاطٍ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَل سَمَّى الأَْرْضَ بِسَاطًا فِي قَوْلِهِ: {
(١) يعني أنه لم يخطر ببال صاحبكم عند النطق بهذه الوصية إلا الإبل.(٢) سورة نوح / ١٦.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.